تعدُّ قوانين حرية الأسعار والمنافسة من الأسس التي تقوم عليها اقتصاديات الدول الحديثة، حيث تسهم في تعزيز الشفافية وتنظيم الأسواق وحماية المستهلكين. وفي هذا السياق، يبرز القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة كأحد التشريعات الأساسية التي تهدف إلى تنظيم الأسواق المغربية وضمان المنافسة الحرة بين الفاعلين الاقتصاديين. ولكن مع مرور أكثر من عقد على تطبيق هذا القانون، أثيرت عدة تساؤلات حول مدى فاعليته في تحقيق الأهداف المنشودة، مما دفع بالمجموعة النيابية للعدالة والتنمية إلى مطالبة تشكيل لجنة فرعية لتتبع شروط وظروف تطبيقه.
أهمية القانون رقم 104.12 في الاقتصاد الوطني
يُعدُّ القانون رقم 104.12 أحد القوانين المهمة في مجال تنظيم المنافسة وحماية حقوق المستهلكين. فقد صدر هذا القانون بظهير شريف رقم 1.14.116 في 2 رمضان 1435 (30 يونيو 2014)، ويهدف إلى تنظيم العلاقات التجارية بين الشركات، وضمان عدم احتكار السوق، وتحديد إطار قانوني ينظم حركة الأسعار بما يحقق التوازن بين العرض والطلب. من خلال هذا القانون، تسعى الدولة إلى الحد من التواطؤ بين الشركات الكبرى وحماية الأسواق من الممارسات الاحتكارية التي تضر بالمستهلكين وتعيق نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة.
ومع مرور السنوات، بدأ يبرز عدد من التحديات التي تواجه تطبيق هذا القانون، خاصة في ظل التغيرات التي شهدتها السياسة الاقتصادية في المغرب والتحديات المرتبطة بتعديل أسعار المنتجات والخدمات. وهو ما يطرح ضرورة إعادة تقييم مدى تأثير هذا القانون على السوق وعلى مختلف الفئات الاقتصادية.
ضرورة تشكيل لجنة فرعية لمتابعة تطبيق القانون
في هذا الإطار، طالبت المجموعة النيابية للعدالة والتنمية بتشكيل لجنة فرعية تابعة للجنة المالية والتنمية الاقتصادية في مجلس النواب، تهدف إلى تتبع شروط وظروف تطبيق القانون رقم 104.12. وجاء هذا الطلب بناءً على المواد 123 و124 و125 من النظام الداخلي للمجلس، التي تتيح لكل لجنة دائمة تشكيل لجان فرعية تتكفل بمتابعة تنفيذ القوانين والقرارات التشريعية.
وتؤكد المجموعة النيابية على أن تشكيل هذه اللجنة سيكون له دور كبير في دراسة مدى تنفيذ القانون ومدى توافقه مع القوانين الأخرى ذات الصلة، مثل القانون 20.13 المتعلق بمجلس المنافسة، والقانون رقم 31.08 الخاص بحماية المستهلك. كما ستساهم اللجنة في دراسة مدى تأثير تطبيق القانون على الشركات الصغرى والمتوسطة، ومدى استفادتها من المنافسة الحرة، إضافة إلى تحليل فعالية العقوبات المفروضة على المخالفين لممارسات الاحتكار.
تقييم أثر القانون على المستهلكين والأسواق
تولي المجموعة النيابية أهمية كبيرة لتقييم أثر تطبيق هذا القانون على المواطنين وعلى قدرتهم الشرائية. فمن خلال تتبع تنفيذ القانون، يمكن تقييم مدى تأثيره على الأسعار في الأسواق، وضمان عدم التلاعب بالأسعار من قبل الشركات الكبرى أو الوسطاء التجاريين. إضافة إلى ذلك، سيتم دراسة مدى تأثير التغييرات في هيكل الأسعار على الفئات الاجتماعية الضعيفة التي قد تتأثر سلبًا من جراء ارتفاع الأسعار بسبب الممارسات الاحتكارية أو التواطؤ بين الشركات.
كما سيتعين على اللجنة دراسة مدى تحسن الشفافية في العلاقات الاقتصادية ومدى فعالية التدابير المتخذة لمكافحة الفساد والتلاعب بأسعار المواد الأساسية. ومن خلال ذلك، يمكن تحديد النقاط التي تتطلب تعديلات أو تحسينات في التطبيق العملي للقانون.
إن تشكيل لجنة فرعية لتتبع تطبيق القانون رقم 104.12 يمثل خطوة مهمة نحو ضمان فاعلية هذا القانون في تحقيق أهدافه الأساسية، وهي تنظيم المنافسة الحرة، وضمان شفافية السوق وحماية حقوق المستهلكين. وعليه، فإن هذه المبادرة البرلمانية تأتي في وقتها لتقديم تقييم شامل ودقيق حول تأثير هذا القانون على الاقتصاد الوطني وعلى المواطن المغربي، من أجل تعزيز البيئة الاقتصادية وتحقيق التنمية المستدامة في البلاد.



