لم تكن الحقول في الغارب واللوكوس، مع مطلع هذا الأسبوع، تشبه تلك التي اعتادت استقبال الفلاحين في مثل هذا الوقت من السنة. الماء غطّى المساحات المنبسطة، والطرقات الترابية اختفت تحت طين كثيف، فيما بدت الزراعات وكأنها تحبس أنفاسها تحت ثقل أمطار لم تتوقف إلا لتعود أقوى. مشهد غير مألوف في مناطق طالما اعتُبرت خزّانًا فلاحيًا للمغرب، لكنه أصبح اليوم عنوانًا لقلق جماعي يتجاوز حدود الحقول ليطال مستقبل موسم فلاحي كامل.
في القرى المحاذية لوادي سبو وحوض اللوكوس، لا يتحدث الفلاحون عن الغلة بقدر ما يتحدثون عن الخسارة. الحبوب التي زُرعت على أمل تعويض سنوات الجفاف، لم تحتمل تشبع التربة بالمياه. السيقان الصفراء التي بدأت تظهر ليست علامة نضج مبكر، بل مؤشر اختناق نباتي يهدد بالقضاء على مساحات واسعة من المزروعات. هنا، لا يحتاج الفلاح إلى تقارير تقنية ليعرف أن الموسم في خطر؛ يكفي أن يراقب الأرض وهي ترفض امتصاص المزيد من الماء.
الضرر لم يتوقف عند الحقول المفتوحة. في اللوكوس، حيث تشكل الزراعات تحت البيوت البلاستيكية ركيزة اقتصادية موجهة للتصدير، خلّفت الرياح العاتية والأمطار الغزيرة مشاهد دمار صامت. هياكل معدنية ملتوية، أغطية ممزقة، ونباتات فاكهة حمراء فقدت توازنها في ذروة موسم حساس. ومع إجلاء بعض الساكنة ونقص اليد العاملة، باتت الإصلاحات وجني المحصول مهمة مؤجلة، فيما الزمن لا ينتظر الأسواق الخارجية.
أما في الضيعات التي تعتمد على تربية الماشية، فالمخاوف تأخذ بعدًا آخر. الأعلاف المخزنة، من تبن وسيلاج، تضررت أو جرفتها المياه، والماشية تجد نفسها في مواجهة ندرة غذاء مفاجئة. خسارة القطيع هنا لا تُقاس فقط بعدد الرؤوس، بل بما تمثله من رأس مال اجتماعي واقتصادي لعائلات كاملة.
وسط هذا المشهد، تسود حالة ترقب حذر. لا أحد يجرؤ على إعلان “سنة بيضاء”، لكن الجميع يدرك أن ما بعد الفيضانات لن يكون كما قبلها. الأشغال الفلاحية تعطلت، رزنامة الزرع مهددة بالتغيير، والحديث عن تعويض الزراعات الخريفية بزراعات ربيعية لم يعد خيارًا تقنيًا بقدر ما هو محاولة إنقاذ.
الفيضانات، وهي تكشف هشاشة المنظومة الفلاحية أمام التقلبات المناخية الحادة، أعادت إلى الواجهة سؤالًا ظل مؤجلًا لسنوات: ماذا نفعل بفائض الماء حين يأتي دفعة واحدة؟ فبين شمال يغرق وجنوب يعاني العطش، تبدو المفارقة صارخة. مشاريع نقل المياه، التي طُرحت أساسًا لمواجهة الجفاف، تظهر اليوم كحل مزدوج قادر على امتصاص الصدمات، سواء حين يشح الماء أو حين يفيض.
الغارب، بكل ما يملكه من تنوع تربته وغنى موارده المائية، يظل رمزًا لإمكانات فلاحية هائلة. لكن هذه الإمكانات نفسها باتت رهينة لتغير مناخي لا يعترف بالتوازنات القديمة. وما يحدث اليوم ليس مجرد حادث عرضي، بل رسالة واضحة: الزراعة المغربية تدخل مرحلة جديدة، عنوانها التكيف أو الخسارة.



