في قاعات Seafood4Africa بمدينة Dakhla، لم يكن الحديث هذه المرة عن وفرة الأسماك أو جودة السواحل فقط، بل عن سؤال أكثر تعقيداً: كيف يمكن تحويل هذا الغنى الطبيعي إلى مشاريع قائمة، قادرة على إقناع البنوك وجذب المستثمرين؟
المغرب، الذي يُقدَّر إمكانه في تربية الأحياء المائية بحوالي 300 ألف طن سنوياً، لا ينتج اليوم سوى نحو 3 آلاف طن. فجوة شاسعة بين الممكن والواقع، تكشف أن المشكلة ليست في البحر، بل في طريقة تمويل الوصول إليه.
الاستراتيجية الوطنية المرتقبة للاقتصاد الأزرق تقترح تغييراً هادئاً لكنه عميق: الانتقال من منطق الدعم المباشر إلى منطق الهندسة المالية. لم يعد الهدف ضخ إعانات جديدة، بل بناء منظومة تمويل تجعل المشاريع “قابلة للبنك” قبل أن تكون قابلة للإطلاق.
في قلب هذه الرؤية، يجري العمل على إحداث صندوق استثماري مخصص للاقتصاد الأزرق. لكنه لن يكون صندوق إعانات تقليدياً، بل أداة لتحفيز الاستثمار، تتدخل لخفض المخاطر وتشجيع الرأسمال الخاص على دخول قطاع ظل يُنظر إليه بحذر. الدولة هنا لا تضع نفسها في موقع الممول الوحيد، بل في موقع الميسر الذي يهيئ الأرضية ويقاسم المخاطر.
ولأن أداة واحدة لا تكفي، تقوم المقاربة على ما يُعرف بالتمويل المختلط، أي الجمع بين موارد عمومية بشروط ميسرة واستثمارات خاصة. الفكرة بسيطة في ظاهرها: إذا خُفِّفت المخاطر، ارتفعت الشهية للاستثمار. أما في العمق، فهي محاولة لإعادة بناء الثقة بين حاملي المشاريع والمؤسسات المالية.
الدراسات أظهرت أن جزءاً كبيراً من عزوف المستثمرين لا يرتبط بحجم المخاطر الحقيقية، بل بالمخاطر المتصورة. لذلك يجري التفكير في آليات للضمان والتأمين، إلى جانب أدوات سوقية حديثة مثل السندات الزرقاء والصكوك الزرقاء، الموجهة لتمويل مشاريع تحترم معايير الاستدامة البيئية وتستجيب في الآن ذاته لمتطلبات الأسواق.
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في توفير المال، بل في إعداد المشاريع نفسها. كثير من المبادرات تبقى حبيسة الطموح التقني، من دون أن تتحول إلى ملفات مالية متكاملة تستوفي شروط التمويل. وهنا تتدخل الاستراتيجية عبر تعزيز المواكبة وبناء القدرات، خاصة في المراحل الأولى، حيث تتحدد قابلية المشروع للعيش.
كما تولي الخطة اهتماماً خاصاً بصغار الفاعلين والمقاولات الصغيرة، الذين يملكون حضورا قويا على المستوى الترابي لكنهم يواجهون أكبر الصعوبات في الولوج إلى التمويل. إدماجهم في سلاسل القيمة البحرية ليس خياراً اجتماعياً فقط، بل ضرورة اقتصادية لضمان انتشار التنمية وخلق فرص الشغل.
بهذا المعنى، لا تسعى الاستراتيجية إلى تعبئة موارد عمومية ضخمة بقدر ما تهدف إلى تعبئة الثقة. فحين يصبح المشروع مهيكلاً، والمخاطر موزعة، والمعلومة متاحة، يتحول البحر من أفق واعد إلى قطاع استثماري فعلي.
إنه رهان على أن الهندسة المالية قد تكون أحياناً أهم من حجم التمويل نفسه. رهان على أن الاقتصاد الأزرق لن يُبنى بالإعانات، بل ببناء الجسور بين الفكرة والسوق، بين الطموح والتمويل، وبين البحر والمستثمر.



