في وقت يواصل فيه الاقتصاد المغربي تعزيز مؤشرات الصمود والتوسع، برز قطاع التأمين كأحد أبرز القطاعات التي صنعت الحدث المالي خلال سنة 2025، بعدما سجل نتائج وُصفت بالاستثنائية، مؤكداً مرة أخرى مكانته كأحد الأعمدة الرئيسية للاستقرار المالي داخل المغرب.
الأرقام الصادرة عن هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي لم تكن مجرد مؤشرات تقنية عابرة، بل حملت رسالة واضحة حول التحول النوعي الذي يعيشه هذا القطاع. فقد ارتفع صافي أرباح شركات التأمين وإعادة التأمين بنسبة 19,1 في المائة خلال سنة 2025، ليصل إلى 5,7 مليار درهم، في أداء يعكس قدرة الفاعلين في السوق على تحقيق نمو متوازن يجمع بين التوسع التجاري والانضباط المالي.
هذا الأداء القوي لم يأت من فراغ، بل كان مدفوعاً بتحسن عائدات الاستثمارات المالية، واستفادة الشركات من الظروف الإيجابية التي عرفتها الأسواق المالية المغربية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على النتائج التقنية التي سجلت بدورها نمواً لافتاً بلغ 25,2 في المائة، لتصل إلى 7,3 مليار درهم.
وعلى مستوى النشاط التجاري، واصل القطاع مساره التصاعدي بثقة، بعدما ارتفع رقم المعاملات الإجمالي بنسبة 7,5 في المائة، ليبلغ 63,2 مليار درهم من الأقساط المباشرة، في مؤشر واضح على اتساع قاعدة المؤمنين وتزايد الوعي بأهمية التغطية التأمينية لدى الأسر والمقاولات.
وسجل فرع التأمين على الحياة واحداً من أقوى معدلات النمو، بعدما ارتفع بنسبة 8,4 في المائة ليصل إلى 29,4 مليار درهم، مدعوماً بالخصوص بمنتجات الادخار والاستثمار، التي أصبحت تستقطب اهتماماً متزايداً من طرف المدخرين الباحثين عن حلول مالية أكثر أماناً واستدامة.
أما التأمينات غير المرتبطة بالحياة، فقد واصلت بدورها تسجيل أداء إيجابي، محققة نمواً بنسبة 6,6 في المائة لتصل إلى 33,7 مليار درهم، مدفوعة أساساً بالتأمين على السيارات والتأمين الصحي، وهما القطاعان اللذان يواصلان قيادة الطلب داخل السوق المغربية.
ولم تتوقف المؤشرات الإيجابية عند الأرباح فقط، إذ ارتفعت الأموال الذاتية للقطاع إلى 51,3 مليار درهم، بينما بلغت المخصصات التقنية 240,2 مليار درهم، ما يعكس متانة مالية متزايدة وقدرة أكبر على مواجهة المخاطر المستقبلية وتعزيز حماية المؤمن لهم.
وفي سياق يعرف إطلاق مشاريع بنية تحتية كبرى، استفاد قطاع التأمين أيضاً من ارتفاع الطلب على تغطية المخاطر التقنية والهندسية، التي سجلت قفزة قوية، في إشارة واضحة إلى الترابط المتزايد بين نمو الاقتصاد الوطني وتطور صناعة التأمين.
هكذا، لا تبدو سنة 2025 مجرد سنة أرباح قياسية بالنسبة لقطاع التأمين في المغرب، بل محطة تؤكد نضج السوق، وقوة المؤسسات المالية الوطنية، وقدرتها على مواكبة التحولات الاقتصادية الكبرى بثقة واستدامة، في بلد يواصل ترسيخ موقعه كواحد من أكثر الاقتصادات دينامية في القارة الإفريقية.



