في صمتٍ يشبه صعود الدخان، تسلّلت أرقام الجباية إلى صدارة النقاش المالي. فإصلاح ضريبة التبغ، الذي انطلق ضمن مسار خماسي مدروس، لم يكتفِ بتحقيق ما كان مرسومًا له، بل تجاوزه بأريحية. هكذا تقول الخزينة، وهكذا تُقِرّ المؤشرات: الإيرادات ارتفعت، والأهداف المالية تحقّقت قبل موعدها.
القصة بدأت حين قرّرت الدولة إعادة هندسة العبء الضريبي على منتجات التبغ، ليس فقط بحثًا عن موارد إضافية، بل أيضًا لمحاولة كبح استهلاكٍ يرهق الصحة العامة. ومع كل تعديل تدريجي في الرسوم، كان السؤال حاضرًا: هل سيتراجع الاستهلاك؟ وهل ستصمد الإيرادات؟ الواقع أتى بإجابة مزدوجة؛ العائدات تعزّزت، والمالية العمومية تنفّست.
في دفاتر الميزانية، تحوّلت الضريبة الخاصة على التبغ إلى رافعة مستقرة، تسند مداخيل الدولة في ظرفية تتسم بتقلّب الموارد التقليدية. أما في السوق، فقد أعادت الزيادات المتتالية رسم خريطة الأسعار، دافعة المستهلك إلى خيارات أقل، أو على الأقل إلى التفكير مرتين قبل الإشعال.
لكن خلف هذا النجاح المالي، يطلّ نقاش آخر لا يقلّ أهمية. فحين تُثبت الجباية نجاعتها، تُطرح أسئلة الصحة العامة بإلحاح أكبر: هل يكفي رفع السعر لتغيير السلوك؟ أم أن المعركة تحتاج سياسات مرافقة، من التحسيس إلى العلاج؟ هنا، يتقاطع منطق الخزينة مع منطق الوقاية، ويُصبح الإصلاح الضريبي خطوة ضمن مسار أطول.
في النهاية، تُظهر تجربة ضريبة التبغ أن السياسات العمومية حين تُصمَّم بتدرّج ووضوح، يمكن أن تُنتج أثرًا مزدوجًا: موردًا ماليًا يفوق التوقعات، وإشارةً قوية إلى أن الدولة قادرة على توجيه السوق دون صدمات. وبين الدخان والأرقام، اختارت الخزينة أن تنتصر للأرقام.



