في قاعة هادئة بمقر بنك المغرب في الرباط، كان عبد اللطيف الجواهري يتحدث بنبرة واثقة، لكنه لا يخفي حجم التحديات. أمام عدسات الصحفيين، رسم ملامح مرحلة جديدة من التحول المالي في المغرب، عنوانها الأبرز: “الدرهم الرقمي”.
لم يكن الحديث عن عملة رقمية مجرد فكرة مستقبلية، بل مشروع قيد التشكل، يُبنى بتعاون مع مؤسسات مالية دولية كبرى، ويستند إلى رؤية تمتد لخمس سنوات. هدفه واضح: تقليص الاعتماد على النقد الورقي، وفتح الطريق أمام اقتصاد رقمي أكثر شفافية وفعالية.
لكن الواقع، كما كشفه الجواهري، يسير في اتجاه مغاير. فالتداول النقدي، أو ما يُعرف بـ“الكاش”، لم يتراجع، بل ارتفع بنسبة 15 في المائة. رقم يعكس عمق العادات المالية المتجذرة، ويطرح في الآن ذاته تساؤلات حول سرعة التحول نحو الرقمنة.
في الأسواق الشعبية، وفي المعاملات اليومية، لا يزال “الكاش” سيد الموقف. ورغم انتشار الهواتف الذكية وتوسع خدمات الأداء الإلكتروني، فإن الثقة في الوسائل الرقمية لم تبلغ بعد المستوى الكفيل بإحداث القطيعة مع النقد التقليدي.
وسط هذا التناقض، يراهن بنك المغرب على تسريع وتيرة الإصلاح. دراسة متكاملة حول الدرهم الرقمي وُضعت على طاولة الحكومة، في انتظار مناقشتها وتفعيل توصياتها. مشروع قد يعيد رسم ملامح المعاملات المالية، ويمنح المغرب موقعًا متقدمًا في سباق العملات الرقمية السيادية.
وفي خلفية هذا التحول، تواصل السياسة النقدية نهج الحذر. فقرار الإبقاء على سعر الفائدة في حدود 2,25 في المائة يعكس توازنًا دقيقًا بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على استقرار الأسعار، في سياق دولي يتسم بعدم اليقين.
أما المقاولات الصغيرة جدًا، التي تشكل العمود الفقري للنسيج الاقتصادي، فقد كانت حاضرة في خطاب الجواهري. رسائل طمأنة واضحة: لا إقصاء، بل دعم متزايد، وضمانات تصل إلى 80 في المائة لفائدة المقاولات التي تقودها نساء، في محاولة لتعزيز الولوج إلى التمويل.
ورغم هذه الجهود، يكشف رقم آخر عن مفارقة لافتة: سيولة بنكية ضخمة، تتراوح بين 400 و450 مليار درهم، لا يُستغل منها سوى جزء محدود. وكأن الاقتصاد المغربي يقف أمام فرصة غير مكتملة، تنتظر من يحسن توظيفها.
بين “الكاش” الذي يقاوم، و”الدرهم الرقمي” الذي يطرق الأبواب، يجد المغرب نفسه أمام منعطف حاسم. ليس فقط في طريقة الدفع، بل في شكل الاقتصاد نفسه. تحول قد لا يكون سريعًا، لكنه يبدو، أكثر من أي وقت مضى، حتميًا.



