يشهد المشهد الريادي في المغرب تحوّلًا لافتًا مع بروز جيل جديد من الشركات الناشئة الصناعية التي لم تعد تكتفي بالتطبيقات الرقمية والمنصات الخفيفة، بل تتجه نحو تصنيع التكنولوجيا نفسها عبر تطوير الأجهزة الإلكترونية، وإنترنت الأشياء، والحوسبة الطرفية. ويأتي هذا التحول في سياق سعي متزايد لتحقيق السيادة التكنولوجية، التي لم تعد تقتصر على البرمجيات أو تخزين البيانات، بل تشمل التحكم في سلسلة القيمة كاملة، من التصميم إلى الإنتاج المحلي.
ويؤكد خبراء القطاع أن مستقبل الابتكار المغربي يمر عبر الاستثمار في “الهاردوير” والبحث والتطوير، رغم ما يتطلبه ذلك من دورات تطوير طويلة ومخاطر صناعية أكبر مقارنة بالمشاريع الرقمية التقليدية. فالشركات الناشئة الصناعية مطالبة بالانتقال من دور المُدمج التقني إلى دور المصمّم والمُصنّع، بما يعزز القدرة التنافسية ويقلّص التبعية للاستيراد، خاصة في مجالات مثل العدادات الذكية والمعدات الطبية والتقنيات الزراعية.
كما يبرز عامل البحث والتطوير كركيزة أساسية لنجاح هذا النموذج، إذ إن الابتكار المستمر يتيح خلق قيمة مضافة وفرص عمل مؤهلة، رغم أن نسبة الاستثمار الوطني في هذا المجال لا تزال محدودة. وفي المقابل، يشكل عنصر المخاطرة تحديًا ثقافيًا واقتصاديًا، لأن الشركات الصناعية تحتاج إلى تمويل صبور واستعداد لخوض تجارب طويلة قبل الوصول إلى السوق.
وتظهر تجربة مشاريع التليميديسين والبنية التحتية المحلية للبيانات كيف يمكن للشركات المغربية أن تجمع بين الذكاء الاصطناعي والتجهيزات الصناعية لحماية المعطيات الحساسة وتعزيز الاستقلالية التكنولوجية. وبذلك، تتجه المنظومة الريادية نحو نموذج جديد أكثر عمقًا، يقوم على المصانع الذكية والتصنيع المحلي والابتكار الصناعي، في خطوة قد تعيد رسم موقع المغرب داخل الاقتصاد التكنولوجي العالمي.



