السيادة هي قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها باستقلالية، وحماية مصالحها، والتحكم في مواردها وخياراتها الاستراتيجية. ومع التحولات التكنولوجية المتسارعة، اتسع هذا المفهوم ليشمل المعطيات والبنيات الرقمية والكفاءات التي أصبحت تؤثر في الاقتصاد والأمن واستمرارية الخدمات. فالسيادة الرقمية تتجسد في قدرة البلد على اختيار التكنولوجيا التي يستخدمها، وفهمها وتطويرها وتأمينها، والتحكم في معطياته وفي أوجه استعمالها.
هذه العلاقة بين استقلال القرار والتحكم في القدرات التكنولوجية شكلت محور نقاش احتضنه، اليوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، فندق هيلتون هوارة بطنجة، بمشاركة مسؤولين وخبراء في التكنولوجيا والأمن السيبراني والتحول الرقمي.
وضمت الجلسة زكي نرجس، المدير العام لشركة «Netopia»، وفؤاد جلال، المدير العام لشركة «CBI»، وعلي العزوزي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Dataprotect»، ومهدي بركاد، الشريك المكلف بالأنشطة الرقمية والتكنولوجية لدى «PwC» المغرب. وتولى إدارة النقاش محسن لخديسي، الشريك المؤسس لـ«AI Crafters» والمحاضر والخبير في استراتيجية الذكاء الاصطناعي.
وانطلقت المداخلات من إشكالية جوهرية: امتلاك الموارد لا يضمن بالضرورة القدرة على الاستفادة منها. فقد تتوفر البلدان على ثروات أو طاقات إنتاجية مهمة، لكنها تواجه صعوبات في التصدير أو اضطرابات في التموين تحد من استغلال تلك الإمكانات. وينطبق الأمر نفسه على المؤسسات التي تمتلك التجهيزات، لكنها تظل مرتبطة بخبرات أو خدمات خارجية يصعب تعويضها عند الأزمات.
وفي المجال الرقمي، تكتسب هذه الإشكالية أهمية خاصة. فاقتناء الأنظمة والمنصات يحتاج إلى كفاءات قادرة على تشغيلها وصيانتها وحمايتها، وإلى معرفة واضحة بمكان تخزين المعطيات ومن يستطيع الوصول إليها، ومدى قدرة المؤسسة على مواصلة نشاطها إذا تعطل أحد مزودي الخدمات.
وبذلك، يصبح سؤال السيادة مرتبطاً بالقدرة الفعلية على الاختيار والاستمرار. فكل اعتماد على تكنولوجيا خارجية يستدعي تقدير منافعه وحدوده، وتحديد مواطن التبعية التي قد تؤثر في القرار أو تعرّض الخدمات الحيوية للاضطراب.
وحضرت ضمن النقاش فكرة «الطريق الثالث»، التي تفتح المجال أمام بناء شراكات وتكتلات تعزز القدرات الوطنية وتستفيد من الخبرات الدولية. وتقوم هذه المقاربة على جعل التعاون وسيلة لنقل المعرفة وتطوير الكفاءات وتوسيع هامش الاستقلال، مع مراعاة المصالح المشتركة بين الشركاء.
وبالنسبة إلى المغرب، تطرح هذه الرؤية تحدياً يتمثل في ربط التحول الرقمي ببناء قاعدة وطنية من الخبرات والمقاولات القادرة على إنتاج الحلول وتطويرها. فنجاح الرقمنة يتصل أيضاً بحجم المعرفة التي تتراكم داخل البلد، وبقدرة الكفاءات المغربية على المشاركة في تصميم الأنظمة والتحكم في تشغيلها وتأمينها.
وتبرز هنا أهمية التكوين والبحث والابتكار، إلى جانب دعم المقاولات الوطنية وتشجيع التعاون بين المؤسسات والجامعات والفاعلين الاقتصاديين. كما تظل حماية المعطيات والأمن السيبراني عنصرين أساسيين لضمان الثقة في الخدمات الرقمية وحماية استمراريتها.
وفي ضوء المحاور المطروحة، تتحدد أولويات عملية لتعزيز السيادة الرقمية، تشمل الاستثمار في الكفاءات الوطنية، وتأمين البنيات والمعطيات الحساسة، ودعم تطوير حلول تكنولوجية محلية، وتنويع مزودي الخدمات ومصادر الإمداد. كما تبرز أهمية توجيه الشراكات الدولية نحو نقل الخبرة والمعرفة، وربط المشاريع الرقمية بأهداف واضحة يمكن تتبع تنفيذها وقياس أثرها.
ويضع نقاش طنجة السيادة الرقمية في صلب التفكير في المستقبل الاقتصادي والاستراتيجي للمغرب. فالقدرة على حماية القرار تبدأ ببناء المعرفة، وتتعزز بامتلاك البدائل، وتترسخ عبر شراكات تمنح المؤسسات والكفاءات الوطنية دوراً أكبر في صناعة التحول التكنولوجي



