بعد أسابيع من التوتر والتصعيد، اختار المحامون أخيرًا دفن “فأس الحرب”، معلنين بداية مرحلة جديدة عنوانها التهدئة والحوار. خطوة لم تكن مفاجئة بقدر ما كانت ضرورية، في سياق مهني وقانوني دقيق فرض إعادة ترتيب الأولويات وتغليب منطق التوافق على منطق المواجهة.
الخلاف الذي طبع المرحلة السابقة لم يكن عابرًا، بل ارتبط بقضايا مهنية وتشريعية أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط القانونية. بيانات متبادلة، اجتماعات ماراثونية، ونقاشات محتدمة رسمت ملامح أزمة حقيقية، كان لها صدى داخل المحاكم وأروقة العدالة. غير أن تطورات الأيام الأخيرة كشفت عن إرادة جماعية لتجاوز الاحتقان، خاصة في ظل ما يفرضه الظرف من مسؤولية مشتركة لحماية استقرار المنظومة القضائية.
مصادر مهنية أكدت أن سلسلة من اللقاءات التشاورية مهدت لهذا التحول، حيث تم تقريب وجهات النظر وبحث نقاط الاختلاف بروح من الواقعية والمرونة. ولم يكن الهدف تسجيل انتصار لطرف على حساب آخر، بل البحث عن صيغة تحفظ كرامة المهنة وتصون مصالح المتقاضين في الآن ذاته.
هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن مهنة المحاماة، باعتبارها أحد أعمدة العدالة، لا يمكن أن تظل رهينة التجاذبات. فاستمرار التوتر كان من شأنه أن ينعكس سلبًا على السير العادي للمحاكم وعلى حقوق المواطنين. لذلك جاء خيار التهدئة كحل عقلاني يفتح الباب أمام إصلاحات أكثر هدوءًا ونضجًا.
ويرى متتبعون أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الفاعلين على تحويل هذا التقارب إلى إجراءات عملية تترجم على أرض الواقع. فالمصالحة لا تكتمل بالتصريحات، بل تحتاج إلى آليات متابعة، وحوار مؤسساتي مستدام، يضمن معالجة الملفات العالقة بروح تشاركية.
في النهاية، يبدو أن الرسالة الأبرز من هذا التطور هي أن الخلاف، مهما اشتد، يمكن احتواؤه حين تتوفر الإرادة. وبين التصعيد والتهدئة، اختار المحامون الطريق الأقل كلفة على المهنة والمتقاضين، واضعين نصب أعينهم أن العدالة تظل أكبر من أي نزاع عابر.



