يواصل المغرب تنزيل إصلاحه الشامل لقطاع المؤسسات والمقاولات العمومية، من خلال إطلاق حملة تروم التعريف بمبادئ الحكامة الجيدة وتشجيع الهيئات العمومية على اعتمادها في الإدارة والتسيير واتخاذ القرار.
وتأتي هذه الخطوة بعد مرور نحو سنة على نشر مدونة الممارسات الجيدة لحكامة المؤسسات والمقاولات العمومية في الجريدة الرسمية، بموجب المرسوم رقم 2.24.249 الصادر في 24 أبريل 2025، في إطار تفعيل الإصلاح الهيكلي لهذا القطاع الاستراتيجي.
وتهدف الحملة إلى جعل الحكامة ثقافة مؤسساتية فعلية، لا مجرد قواعد قانونية، عبر تعزيز الشفافية والمساءلة، وتحسين أداء مجالس الإدارة، وتوضيح المسؤوليات، وربط اتخاذ القرار بالأهداف والنتائج المحققة.
كما تسعى المدونة الجديدة إلى تقوية قدرة المؤسسات والمقاولات العمومية على الصمود ومواجهة المخاطر، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، إلى جانب تعزيز قدرتها على تعبئة التمويلات وتدبير مواردها بكفاءة أكبر.
نحو إدارة عمومية أكثر كفاءة
يشكل قطاع المؤسسات والمقاولات العمومية ركيزة أساسية في الاقتصاد المغربي، بالنظر إلى مساهمته الكبيرة في الاستثمار العمومي وإنجاز مشاريع البنية التحتية والطاقة والنقل والماء والسكن والخدمات الاجتماعية.
ولذلك، فإن إصلاح هذا القطاع لا يقتصر على تحسين وضعه المالي، بل يستهدف أيضًا ترسيخ نموذج جديد لإدارة ممتلكات الدولة، يقوم على التخطيط الاستراتيجي، وقياس الأداء، وترشيد النفقات، وتفادي تداخل الاختصاصات.
وتولي مدونة الحكامة أهمية خاصة لفعالية مجالس الإدارة، واستقلالية أعضائها وكفاءتهم، وإحداث لجان متخصصة في التدقيق والمخاطر والاستراتيجية والتعيينات، بما يسمح بتقوية الرقابة الداخلية وتحسين جودة القرارات.
الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة
يرتكز الإصلاح الجديد على تعزيز الشفافية في نشر المعلومات المالية وغير المالية، وتقييم أداء المسؤولين، ومراقبة المخاطر، وضمان احترام قواعد النزاهة ومنع تضارب المصالح.
كما يدعو إلى تحديد العلاقة بصورة أوضح بين الدولة بصفتها مساهمًا، ومجالس الإدارة، والإدارات التنفيذية، حتى تتحمل كل جهة مسؤولياتها كاملة وفق أهداف محددة وقابلة للقياس.
وتنسجم هذه التوجهات مع السياسة المساهماتية للدولة، التي تسعى إلى الانتقال من التدبير الإداري التقليدي إلى قيادة استراتيجية للمحفظة العمومية، وتحقيق تكامل أكبر بين مختلف المؤسسات والمقاولات التابعة للدولة.
الحكامة شرط لتحسين الخدمات والاستثمار
لا تتعلق الحكامة فقط بالمساطر الإدارية، بل تنعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين والمقاولات. فكلما كانت المؤسسة العمومية أكثر شفافية وفعالية، تحسنت جودة خدماتها، وتقلصت آجال اتخاذ القرار والأداء، وتعززت الثقة بينها وبين المستثمرين والقطاع الخاص.
كما أن الحكامة الجيدة ترفع قدرة المقاولات العمومية على تمويل مشاريعها، وتجذب الشركاء والمستثمرين، وتحد من الهدر وسوء التدبير، بما يجعلها أكثر قدرة على دعم النمو وخلق فرص الشغل وتحقيق التنمية المجالية.
ويؤكد إطلاق هذه الحملة أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة تنزيل فعلي ومتابعة دقيقة لمدى التزام المؤسسات والمقاولات العمومية بمبادئ المدونة، حتى تتحول الحكامة إلى ممارسة يومية، وإلى أداة حقيقية لتحسين الأداء وخدمة الاقتصاد والمواطن.




