في عالم تتسارع فيه الأزمات وتتشابك فيه التوترات الجيوسياسية مع التقلبات الاقتصادية، يواصل المغرب رسم مسار مختلف، قائم على التوازن بين الحذر والطموح. فمن الرباط، حيث انعقد مجلس الحكومة، بدا خطاب رئيس الحكومة عزيز أخنوش أقرب إلى رسالة طمأنة، لكنها أيضًا إعلان عن مرحلة جديدة من ترسيخ الصمود الاقتصادي.
لم يعد الحديث عن الأزمات الخارجية مجرد توصيف للواقع، بل تحول إلى عنصر ضمن معادلة تدبيرية يسعى المغرب إلى التحكم فيها. فالتجربة الوطنية، كما أبرزها أخنوش، لم تعد تكتفي بردّ الفعل، بل باتت تقوم على استباق التحولات، وتحويل الضغوط إلى فرص للإصلاح وإعادة الهيكلة.
الأرقام، في هذا السياق، لم تكن مجرد مؤشرات تقنية، بل تحولت إلى سردية نجاح نسبي في ظرف دولي معقد. نمو اقتصادي بلغ 4.8%، تضخم محدود في 0.8%، وعجز ميزانياتي في تراجع، كلها معطيات تعكس نوعًا من التوازن الذي نجح المغرب في الحفاظ عليه، رغم الاضطرابات التي تضرب سلاسل الإمداد والأسواق العالمية.
لكن خلف هذه الأرقام، تتشكل قصة أعمق: قصة اقتصاد يسعى إلى تنويع مصادر قوته، وإعادة تموقعه في خريطة الاستثمار العالمي. فبلوغ الاستثمارات الأجنبية المباشرة مستوى قياسيًا لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة مسار طويل من الإصلاحات، ومن تعزيز الثقة لدى الشركاء الدوليين، وهو ما أكدته أيضًا مؤسسات التصنيف الائتماني التي بدأت تنظر إلى المغرب بنظرة أكثر تفاؤلًا.
ومع ذلك، لا يخلو المشهد من تحديات ثقيلة الظل. فالتوترات في الشرق الأوسط، وارتفاع أسعار النفط، يذكران بأن الاقتصاد المغربي، رغم تقدمه، لا يزال مرتبطًا بنبض الأسواق العالمية. أي ارتفاع جديد في أسعار الطاقة قد ينعكس سريعًا على القدرة الشرائية، ويضع صناع القرار أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على التوازنات ودعم الفئات المتضررة.
في المقابل، تبرز الفلاحة كأحد مفاتيح المرحلة المقبلة. فالتساقطات المطرية التي شهدتها المملكة، رغم ما رافقها من فيضانات في بعض المناطق، تفتح الباب أمام موسم فلاحي واعد، قد يشكل رافعة حقيقية للنمو خلال سنة 2026. هنا، يعود القطاع الزراعي ليلعب دوره التاريخي كصمام أمان اقتصادي واجتماعي.
بين رهانات الداخل وضغوط الخارج، يبدو أن المغرب يسير على خيط دقيق، لكنه ثابت. خيط يربط بين الإصلاح والاستثمار، بين الاستقرار والطموح، وبين إدارة الأزمات وصناعة الفرص. وفي قلب هذا المسار، تتشكل ملامح اقتصاد لا يطمح فقط إلى الصمود، بل إلى التقدم بثقة في عالم لا يعترف إلا بالأكثر جاهزية.



