الرباط – أظهرت المعطيات الاقتصادية الأخيرة أن مسار أسعار الاستهلاك في المغرب بدأ يتجه نحو نوع من الاستقرار التدريجي خلال شهر يناير، بعد فترة اتسمت بارتفاعات متتالية أثرت بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر. فقد كشفت المؤشرات الجديدة عن تباطؤ واضح في وتيرة التضخم، وهو ما اعتبره متابعون إشارة إلى بداية مرحلة “هبوط سلس” للأسعار، حيث تتراجع الضغوط التضخمية دون تسجيل انخفاضات حادة قد تربك توازن السوق.
ووفق البيانات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، سجل الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك تراجعاً سنوياً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بانخفاض أسعار عدد من المواد الغذائية التي كانت في صدارة موجة الغلاء خلال الأشهر الماضية. ويعكس هذا التطور تحسناً نسبياً في توازن العرض والطلب داخل السوق الوطنية، إلى جانب تأثير تراجع بعض كلفة الاستيراد مقارنة بالفترة السابقة. في المقابل، استمرت بعض المواد غير الغذائية والخدمات في تسجيل زيادات طفيفة، ما يدل على أن مسار استقرار الأسعار لا يزال تدريجياً وغير متكافئ بين مختلف القطاعات.
وعلى المستوى الشهري، سجلت الأسعار ارتفاعاً محدوداً، ارتبط أساساً بزيادة أثمان بعض المنتجات الغذائية مثل السمك والخضر والفواكه واللحوم، وهي تقلبات يعتبرها الخبراء موسمية إلى حد كبير. كما ساهم انخفاض أسعار المحروقات في الحد من وتيرة الارتفاع العام، مما منح السوق نوعاً من التوازن بين العوامل الصاعدة والهابطة. هذا التباين بين التطور الشهري والتراجع السنوي يعكس مرحلة انتقالية يعيشها الاقتصاد المغربي، حيث بدأت آثار التضخم المرتفع في التراجع تدريجياً دون أن تختفي بشكل كامل.
كما أظهرت المؤشرات المتعلقة بالتضخم الأساسي، الذي يستثني المواد ذات الأسعار المتقلبة، اتجاهاً نحو الاستقرار، وهو ما يعزز فرضية دخول الاقتصاد مرحلة أكثر هدوءاً مقارنة بالسنوات الماضية. ويرى محللون أن هذه المؤشرات تمنح صناع القرار هامشاً أكبر لمواصلة سياسات دعم النمو، خاصة إذا استمرت أسعار الطاقة في مستويات معتدلة وتحسنت الظروف المناخية المؤثرة على الإنتاج الفلاحي.
ورغم هذه الإشارات الإيجابية، يبقى المشهد الاقتصادي محاطاً بدرجة من الحذر، إذ إن أي تقلبات في الأسواق الدولية أو ارتفاع مفاجئ في كلفة المواد الأولية قد يعيد الضغط على الأسعار. وبين مؤشرات الانفراج النسبي واستمرار بعض التحديات، يترقب الفاعلون الاقتصاديون ما إذا كان هذا التراجع في التضخم يمثل بداية دورة استقرار طويلة، أم مجرد محطة ظرفية ضمن مسار اقتصادي لا يزال يتأثر بعوامل خارجية وداخلية متعددة.



