الرباط –
في خطوة تعكس تشديد الرقابة على الأسواق المرتبطة بالقطاع الصحي، نفّذ مجلس المنافسة المغربي عمليات تفتيش وحجز مفاجئة داخل مقرات عدد من الشركات العاملة في مجال تسويق الأجهزة الطبية، وذلك على خلفية شبهات بوجود ممارسات قد تمسّ بقواعد المنافسة الحرة داخل هذا السوق الحيوي.
التحركات التي جرت يوم 17 فبراير 2026 لم تكن اعتيادية، إذ حلّت فرق التحقيق التابعة للمجلس بشكل متزامن بعد الحصول على إذن من النيابة العامة المختصة، وبمواكبة عناصر من الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، في إطار مسطرة قانونية يتيحها القانون رقم 104-12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة. وتهدف هذه العمليات أساساً إلى جمع الأدلة والوثائق التي قد تساعد على فهم طبيعة العلاقات التجارية بين الفاعلين في القطاع، ومدى احترامهم لقواعد السوق.
ويأتي فتح هذا الملف في ظرفية اقتصادية دقيقة، حيث يشهد قطاع الأجهزة الطبية اهتماماً متزايداً من الدولة التي تراهن على تطوير صناعة صحية وطنية وتقليص الاعتماد على الواردات. ومع تنامي الاستثمارات في هذا المجال، تزداد حساسية أي ممارسات قد تؤثر على الأسعار أو على ولوج الفاعلين الجدد إلى السوق، وهو ما يجعل تدخل الجهة التنظيمية مسألة بالغة الأهمية للحفاظ على التوازن الاقتصادي.
ورغم الطابع اللافت لهذه العمليات، شدد مجلس المنافسة على أن الإجراءات الجارية لا تعني بالضرورة ثبوت المخالفات، مؤكداً أن التحقيق لا يزال في مرحلته الأولية وأن القرار النهائي لن يُتخذ إلا بعد مسطرة قانونية تضمن حقوق الدفاع والاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية. كما اختار المجلس عدم الكشف عن أسماء الشركات أو تفاصيل الممارسات المشتبه فيها، حفاظاً على سرية التحقيق واحتراماً لقرينة البراءة.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس تحوّلاً في أسلوب عمل الهيئات التنظيمية بالمغرب، التي باتت تعتمد مقاربة أكثر صرامة تجاه القطاعات الاستراتيجية، خاصة تلك المرتبطة بالصحة العمومية. فالمنافسة العادلة في سوق الأجهزة الطبية لا ترتبط فقط بالبعد الاقتصادي، بل تمتد أيضاً إلى ضمان جودة الخدمات الطبية والتحكم في كلفتها بالنسبة للمؤسسات الصحية والمواطنين.
ومع استمرار التحقيقات، يبقى السؤال المطروح داخل الأوساط الاقتصادية هو ما إذا كانت هذه العمليات ستكشف عن اختلالات هيكلية داخل السوق، أم أنها ستؤكد سلامة الممارسات التجارية. وفي كلتا الحالتين، يبدو أن ملف الأجهزة الطبية أصبح اختباراً جديداً لفعالية آليات ضبط المنافسة في المغرب، في مرحلة يسعى فيها الاقتصاد الوطني إلى تحقيق توازن بين جذب الاستثمار وحماية قواعد السوق.



