في مكاتب ممتدة بين الدار البيضاء وطنجة والرباط، حيث لا تنقطع رنّات الهواتف ولا تتوقف الشاشات عن عرض بيانات الزبائن، يعيش آلاف الشباب المغاربة على إيقاع قطاع لطالما اعتُبر قصة نجاح اقتصادية: مراكز النداء. غير أن هذا الهدوء الظاهري يخفي قلقًا متصاعدًا، مع اقتراب صيف قد يحمل معه تحولات عميقة في مستقبل هذا النشاط.
القصة تبدأ من خارج الحدود. في فرنسا، الشريك الأول لهذا القطاع في المغرب، يتجه المشرّع نحو تشديد القوانين المنظمة للتسويق الهاتفي، في محاولة للحد من المكالمات غير المرغوب فيها التي باتت تثير استياء المستهلكين. قرار يبدو محليًا في ظاهره، لكنه يحمل تداعيات عابرة للحدود، تصل مباشرة إلى قاعات العمل المغربية.
في المغرب، حيث يعتمد القطاع بشكل كبير على السوق الفرنسية، يضع هذا التغيير آلاف الوظائف على المحك. تقديرات مهنيين تشير إلى أن ما يصل إلى 50 ألف منصب شغل قد يكون مهددًا، إذا ما تم تطبيق القيود الجديدة بشكل صارم. بالنسبة لشباب وجدوا في هذا القطاع بوابة أولى نحو سوق العمل، فإن الأمر لا يتعلق فقط بوظيفة، بل بمسار حياة كامل.
داخل الشركات، بدأت مؤشرات الترقب تتحول إلى استعداد. بعض الفاعلين يتحدثون عن ضرورة إعادة توجيه الأنشطة، والبحث عن أسواق بديلة أقل تأثرًا بهذه القيود. آخرون يرون أن الوقت قد حان للانتقال من نموذج يعتمد على الكم إلى نموذج يركز على القيمة، عبر تطوير خدمات أكثر تخصصًا، مثل الدعم التقني أو إدارة العلاقات مع الزبناء.
لكن التحدي لا يقف عند حدود التشريعات. فبالتوازي، يفرض الذكاء الاصطناعي نفسه كفاعل جديد يعيد رسم ملامح القطاع. تقنيات قادرة على الرد الآلي وتحليل البيانات باتت تهدد جزءًا من المهام التقليدية، ما يفرض على الشركات والموارد البشرية التكيف مع واقع مهني جديد.
رغم ذلك، لا يبدو المشهد قاتمًا بالكامل. فالمغرب راكم خبرة طويلة في هذا المجال، وبنى بنية تحتية ولوجستية وبشرية تؤهله لإعادة التموضع. الرهان اليوم هو القدرة على التحول، لا مجرد الصمود.
بين رنين هاتف قد يتوقف، وفرصة جديدة قد تولد، يقف قطاع مراكز النداء في المغرب عند مفترق طرق. صيف 2026 قد لا يكون مجرد محطة زمنية، بل لحظة فاصلة تعيد تشكيل أحد أهم روافد التشغيل في البلاد.



