مع بداية سنة 2026، لا يبدو المشهد الاقتصادي في المغرب مرتبكاً أو قلقاً كما هو الحال في عدد من الاقتصادات الناشئة. الأرقام الكبرى تمنح انطباعاً بالثقة: تضخم عاد إلى مستويات مريحة، احتياطات من العملة الصعبة تعزز صلابة الميزان الخارجي، موسم سياحي قياسي، وأوراش مفتوحة في مختلف جهات المملكة استعداداً لاستحقاقات كبرى في مقدمتها كأس العالم 2030.
لكن خلف هذا الهدوء الظاهر، يطرح سؤال أعمق نفسه: هل تكفي كثافة الاستثمار لضمان تحول اقتصادي مستدام؟
التقارير الدولية الأخيرة ترى أن المغرب نجح إلى حد بعيد في تثبيت توازنه الماكرو-اقتصادي بعد سنوات من الصدمات العالمية، من جائحة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة. غير أن المرحلة الجديدة لم تعد مرحلة “الإنقاذ” أو “الاستقرار”، بل مرحلة تحويل الموارد إلى إنتاجية.
النمو المرتقب في حدود 4% يعكس دينامية واضحة، تقودها قطاعات الصناعة والبناء والخدمات واللوجستيك. المدن تتوسع، الموانئ تتطور، البنيات التحتية تتعزز، والاستثمارات العمومية والخاصة تتقاطع في مشاريع كبرى. غير أن الفلاحة، كعادتها، تظل رهينة السماء، ما يجعل الأداء العام عرضة لتقلبات مناخية لا يمكن التحكم فيها.
في المقابل، يشكل ضبط التضخم نقطة قوة أساسية. فاستقرار الأسعار لا يعني فقط حماية القدرة الشرائية، بل يمنح أيضاً صانعي القرار هامشاً أوسع لدعم النمو دون الإضرار بالتوازنات النقدية. إنها معادلة دقيقة بين التحفيز والانضباط.
أما على مستوى المالية العمومية، فالمغرب يسير بخطى حذرة نحو تقليص العجز إلى حوالي 3% من الناتج الداخلي الخام، في رسالة واضحة للأسواق مفادها أن الطموح الاستثماري لا يعني التفريط في الاستدامة المالية. ورغم ارتفاع النفقات الاجتماعية، خصوصاً في الصحة والتعليم، فإن الرهان يبدو موجهاً نحو بناء رأسمال بشري قادر على مواكبة التحول الاقتصادي.
السياحة بدورها تحولت إلى رافعة حقيقية. ملايين الزوار، وتدفقات مهمة من العملة الصعبة، ودينامية تشغيل واسعة في قطاعات الخدمات. كما تستمر تحويلات مغاربة العالم في لعب دور صمام أمان مالي، يخفف من ضغط العجز التجاري الناتج عن استيراد معدات وتجهيزات المشاريع الكبرى.
ومع ذلك، يبقى التحدي الجوهري في التنفيذ. فليست كل الاستثمارات تخلق القيمة نفسها، وليست كل المشاريع تتحول تلقائياً إلى إنتاجية أعلى. النجاح الحقيقي سيقاس بقدرة الاقتصاد على خلق فرص شغل ذات جودة، ورفع تنافسية المقاولات، وتعزيز سلاسل القيمة الصناعية، وليس فقط بارتفاع حجم الإنفاق.
المغرب اليوم أمام مرحلة دقيقة: مرحلة الانتقال من اقتصاد يستثمر بكثافة، إلى اقتصاد ينتج بكفاءة. وبين الاستقرار والطموح، سيكون الرهان الأكبر هو تحويل أوراش اليوم إلى ثمار مستدامة في الغد.



