لم يكن الطريق إلى الأسواق الأوروبية معبّداً دائماً أمام المنتج الفلاحي المغربي. سنوات طويلة من العمل الصامت، من الحقول إلى وحدات التلفيف، ومن سلاسل التبريد إلى الموانئ، قبل أن تبدأ النتائج في الظهور بلغة يفهمها الجميع: الأرقام.
في سنة 2025، بدا هذا المجهود الجماعي واضحاً. فالتوت الأحمر المغربي المجمّد، الذي كان قبل عقدين بالكاد يجد موطئ قدم له في الخارج، بلغ مستوى تاريخياً في السوق الفرنسية. أطنان تتدفق بانتظام، وعائدات تقترب من ستة ملايين دولار، ومكانة ضمن كبار المورّدين في سوق شديدة التنافس.
لم يكن ذلك وليد الصدفة. فبعد تراجع مؤقت سنة 2023، عاد القطاع بقوة، أكثر تنظيماً وأكثر قدرة على احترام معايير الجودة والتتبع التي يفرضها المستهلك الأوروبي. هكذا، تحوّل التوت المغربي من منتج موسمي محدود، إلى عنصر ثابت في سلاسل التزويد الغذائية.
وفي الوقت نفسه، كانت الحوامض المغربية تشق طريقها شمالاً. في ألمانيا، حيث الذوق دقيق والمنافسة حادة، نجحت الماندرين والكليمنتين المغربية في فرض حضورها خلال موسم 2024–2025. كميات أكبر، عائدات أفضل، وثقة متزايدة من المستوردين الذين باتوا يعوّلون على انتظام العرض المغربي في زمن اختلالات المناخ وسلاسل الإمداد.
هذا التقدّم لا يروي فقط قصة صادرات ناجحة، بل يحكي تحوّلاً أعمق: انتقال الفلاحة المغربية من منطق الاكتفاء والدعم، إلى منطق الاستثمار في المنتَج. استثمار في الجودة، في التبريد، في التحويل، وفي ربط الحقول بالأسواق العالمية.
اليوم، لم يعد المنتج المغربي حاضراً فقط لأنه قريب جغرافياً من أوروبا، بل لأنه تعلّم كيف ينافس داخلها. ومع كل موسم ناجح، تترسخ قناعة جديدة: أن الفلاحة ليست قطاعاً تقليدياً، بل رافعة استراتيجية للاقتصاد، حين تُدار بعقل السوق ونَفَس الاستثمار.



