في لحظة تتقاطع فيها رهانات السيادة الصناعية مع إكراهات سوق الشغل، اختار مجلس الحكومة أن يرفع سقف الطموح نحو السماء. فبمصادقته على إحداث الأكاديمية المغربية لمهن الطيران، يعلن المغرب عن خطوة جديدة في مسار بناء منظومة تكوين متخصصة، تُراهن على الإنسان قبل المعدّة، وعلى المهارة قبل الامتيازات.
لم يأتِ هذا القرار من فراغ. فصناعة الطيران، بما تحمله من تعقيد تقني وسلاسل قيمة عالمية، لم تعد تقبل بالحلول الترقيعية. إنها صناعة تتغذى على كفاءات دقيقة، وتحتاج إلى تكوين متواصل، يواكب التطور السريع للتكنولوجيا والمعايير الدولية. ومن هنا، تُقدَّم الأكاديمية كجسرٍ بين مقاعد التكوين وحظائر الصيانة، وبين المعرفة النظرية ومتطلبات التشغيل الفعلي.
الأكاديمية الجديدة ستُعنى بتكوين تقنيين ومتخصصين في مهن الطيران، من الصيانة إلى الخدمات المرتبطة بها، عبر مسارات تمتد من التكوين قبل الإدماج إلى التأهيل أثناء العمل. الهدف ليس فقط منح دبلومات، بل صناعة كفاءات قابلة للإدماج السريع، وقادرة على رفع تنافسية القطاع داخل المنظومة الصناعية الوطنية.
ولعل إسناد تدبير الأكاديمية إلى شركة تُحدِثها الخطوط الملكية المغربية يحمل دلالة واضحة: ربط التكوين بحاجيات الفاعل الرئيسي في الميدان، وتفادي القطيعة المزمنة بين المدرسة وسوق الشغل. فحين يتولى المشغّل نفسه هندسة التكوين، تصبح الملاءمة شرطًا بنيويًا لا شعارًا عابرًا.
اقتصاديًا، يُراهن على الأكاديمية كرافعة لجذب الاستثمار وتعزيز القيمة المضافة المحلية، خصوصًا في أنشطة صيانة الطائرات والخدمات اللوجستية الجوية. واجتماعيًا، تفتح الباب أمام شبابٍ يبحث عن تخصصات مستقبلية، ذات قابلية تشغيل عالية، في قطاع يُعد من أكثر القطاعات نموًا وانتقائية.
هكذا، لا تبدو الأكاديمية مجرد مؤسسة تكوين، بل عنوانًا لمرحلة جديدة: مرحلة تُعيد فيها الدولة تعريف دورها، من ممول للتعليم إلى مُهندسٍ لمنظومات المهارة. وفي سماء تتزايد فيها المنافسة، يختار المغرب أن يُحلّق بكفاءاته أولًا.



