العمران في قلب حكاية يوم دراسي أعاد رسم ملامح التنمية الترابية بتطوان في صباح بارد على شاطئ المضيق، كانت قاعة اللقاءات تضجُّ بهدوء خاص؛ هدوء يشبه لحظة ما قبل انطلاق ورش كبير. تدريجياً، بدأت المقاعد تمتلئ بمهندسين ومخططين ومسؤولين عموميين، جاؤوا جميعاً وفي ذهنهم سؤال واحد: كيف يمكن للمدن الممتدة بين تطوان والمضيق ومرتيل ووادي لاو أن تتطور بشكل أفضل، وأكثر انسجاماً مع واقعها ومستقبلها؟ كان يوم الاثنين 08 دجنبر 2025 موعداً ليوم دراسي نظّمته الوكالة الحضرية لتطوان بشراكة مع هيئة المهندسين المعماريين وشركة العمران – جهة طنجة تطوان الحسيمة. ورغم الطابع التقني للحدث، إلا أن الأجواء حملت شيئاً مختلفاً… شيئاً يشبه بداية قصة جديدة للتهيئة العمرانية بالشمال. العمران… الاسم الذي يتكرر على ألسنة الجميع منذ اللحظات الأولى للنقاش، برز اسم العمران بقوة. ليس لأن المؤسسة قدمت عرضاً طويلاً أو متوهجاً، بل لأن الجميع كان ينظر إليها باعتبارها الفاعل الذي يقف دائماً في قلب المشاريع الكبرى. كان المشاركون يتحدثون عنها كما لو أنها “الحاضر الصامت” في القاعة؛ تلك المؤسسة التي يعرف الجميع أنها جزء من الحاضر، وجزء أكبر من المستقبل. العمران في ذهنهم ليست مجرد شركة، بل أداة جماعية لبناء المدن. أداة تُهيّئ الأحياء، وتعيد ترتيب المجال، وتفتح الطرق، وتخلق أقطاباً جديدة، وتمنح الناس فرصة لسكن لائق وحياة أفضل. نقاشات صريحة… تشبه جرداً لواقع المدن مع تقدم اليوم، بدأ النقاش يأخذ شكلاً عملياً أكثر. تحدث المهندسون عن الخرائط التي لا تطاوع الواقع دائماً، وعن العقار الذي يضيق كل سنة أكثر، وعن الربط الطرقي الذي يعرقل الحركة بين المدن الساحلية، وعن الحاجة إلى لغة واحدة يتحدث بها الجميع. وفي كل مرة كان سؤال واحد يظهر مجدداً، كأنه يعود ليذكّرهم بمحور الجلسة الحقيقي: ما الدور الذي يمكن أن تلعبه العمران في معالجة كل هذه التحديات؟ ومع تنوع الآراء، ظلّ شيء واحد ثابتاً: العمران تمتلك القدرة على أن تكون نقطة التقاء بين المؤسسات، وأن تحوّل الأفكار إلى مشاريع، والمشاريع إلى أثر محسوس على الأرض. أفكار تشبه مسارات جديدة للجهة من بين الاقتراحات التي نالت اهتمام الحضور: التفكير في تصنيف جديد لمدينة تطوان يأخذ بعين الاعتبار كل مكوناتها، دراسة محور طرقي مباشر بين مرتيل ووادي لاو لتسهيل الحركة على طول الساحل، إطلاق برامج سكنية بتصور جديد ومندمج، جعل مخطط التنمية المندمجة أداة لقياس فعالية وثائق التعمير. كانت هذه النقاط تُطرح وكأن المشاركين يرسمون خطوط خريطة جديدة… خريطة لا تزال في بدايتها، لكنها تحمل الكثير من الأمل. نهاية لقاء… وبداية شيء آخر عندما أسدل اللقاء ستاره، لم يشعر أحد بأن شيئاً انتهى. على العكس، بدا وكأن بداية مرحلة مختلفة قد وُلدت بين تلك الجدران. مرحلة عنوانها: التنسيق، الرؤية المشتركة، وشراكة فعّالة. وفي قلب كل ذلك… كانت العمران، المؤسسة التي يتوقع منها الجميع أن تقود جزءاً مهماً من هذا التغيير. غادر المشاركون القاعة وكأنهم يخرجون من ورشة تفكير لا من لقاء عابر. ومع أنهم أمضوا ساعات قليلة فقط، إلا أن الشعور العام كان واضحاً: مستقبل التهيئة بجهة تطوان يمكن أن يكون أفضل بكثير، إذا استمرت مثل هذه اللحظات من الحوار، وإذا ظلت العمران شريكاً أساسياً في بناء مدن أكثر تناغماً، وأكثر قرباً من حاجيات الإنسان.
خبراء ومهندسون يناقشون أدوار العمران في تطوير مدن تطوان ومرتيل والمضيق

بن عيسى
اكتب تعليقك


