في لحظة تعكس التحول العميق الذي تعرفه الصناعة الجوية بالمملكة، اختارت شركة Safran الفرنسية أن تعزز حضورها الصناعي في المغرب، في خطوة لم تأتِ من فراغ، بل هي ثمرة مسار طويل من الثقة والتكامل الاستراتيجي بين الطرفين.
لم يكن القرار مجرد توسع جغرافي عادي، بل يعكس قناعة راسخة لدى المجموعة بأن المغرب بات منصة صناعية متكاملة قادرة على استيعاب مشاريع ذات قيمة تكنولوجية عالية. فمنذ أكثر من عقدين، تراكمت الاستثمارات وتوسعت الوحدات الإنتاجية، ليتحول المغرب تدريجياً إلى أحد أهم أقطاب صناعة مكونات الطائرات والمحركات في المنطقة.
وراء هذا الاختيار تقف عدة عوامل حاسمة. أولها الكفاءات البشرية المؤهلة، إذ نجح المغرب في تكوين جيل من المهندسين والتقنيين المتخصصين في مهن الطيران، بفضل منظومة تكوين موجهة تلبي حاجيات الصناعات الدقيقة. هذه اليد العاملة المؤهلة، إلى جانب التنافسية في التكلفة، منحت المملكة أفضلية واضحة في جذب الصناعات ذات التكنولوجيا المتقدمة.
كما لعبت البنيات التحتية الصناعية دوراً محورياً، خصوصاً المنصات المتخصصة مثل Midparc، التي توفر بيئة صناعية متكاملة بالقرب من مطار الدار البيضاء، وتتيح للمستثمرين خدمات لوجستية متطورة وسلاسة في سلاسل التوريد.
إضافة إلى ذلك، يشكل الاستقرار السياسي والاقتصادي للمغرب عاملاً مطمئناً للمستثمرين الدوليين، في وقت تبحث فيه المجموعات الكبرى عن تنويع مواقع إنتاجها وتقليص المخاطر المرتبطة بالاعتماد على بلد واحد. وفي هذا السياق، يمثل المغرب بوابة استراتيجية بين أوروبا وإفريقيا، ما يمنح الشركات قدرة أكبر على الوصول إلى أسواق متعددة بمرونة عالية.
اختيار Safran يعكس أيضاً الثقة في الرؤية الصناعية للمملكة، التي جعلت من قطاع الطيران رافعة للتنويع الاقتصادي وخلق فرص الشغل ذات القيمة المضافة. ومع كل استثمار جديد، تتعزز مكانة المغرب ضمن سلاسل القيمة العالمية، ليس فقط كموقع للتجميع، بل كشريك صناعي متكامل يساهم في تطوير التكنولوجيا والإنتاج.
وهكذا، لم يعد حضور Safran في المغرب مجرد استثمار أجنبي، بل أصبح شراكة استراتيجية طويلة الأمد، ترسخ موقع المملكة كلاعب محوري في صناعة الطيران العالمية، وتؤكد أن المغرب انتقل من مرحلة الاستقطاب إلى مرحلة التموقع الصناعي المتقدم.



