في الداخلة، حيث يلتقي المحيط بالأفق الإفريقي الواسع، لم يكن الحديث عن الاستزراع المائي ترفًا فكريًا أو وعدًا مؤجلًا. كان نقاشًا عمليًا، مباشرًا، يحمل شعور الاستعجال. خلال الدورة الثانية من منتدى Seafood4Africa 2026، بدا واضحًا أن إفريقيا تجاوزت مرحلة السؤال عمّا يجب فعله، ودخلت مرحلة أصعب: كيف نُنفّذ، الآن.
في قاعة النقاش، لم تتحدث الأرقام وحدها، بل تجارب بلدان تواجه نفس التحدي: بحار غنية، مياه داخلية واسعة، وسكان يتزايدون بسرعة تفوق قدرة الصيد التقليدي على العطاء. الاستزراع المائي لم يعد خيارًا إضافيًا، بل أصبح طريقًا إلزاميًا نحو الأمن الغذائي.
من المغرب، قدّمت مجيدة معروف صورة واضحة عن مفارقة إفريقية مؤلمة: قارة تُنتج المادة الخام وتستورد الغذاء المُحوَّل. الحل، في نظرها، ليس في اختراع تقنيات جديدة، بل في ربط الإنتاج بالسوق، وبناء سلاسل قيمة متكاملة. كانت كلماتها بسيطة وحاسمة: التجارة هي التي ستمنح الاستزراع المائي وزنه الحقيقي، والقارة تملك اليوم أداة قوية لتحقيق ذلك، اسمها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
الداخلة نفسها كانت جزءًا من الرسالة. مدينة تتحول بهدوء إلى منصة إفريقية للاقتصاد الأزرق، حيث لم يعد البحر مجرد مورد، بل مشروعًا طويل الأمد. التجربة المغربية، المبنية على التخطيط العلمي واحترام التوازنات البيئية، بدت كخريطة طريق أكثر منها نموذجًا مغلقًا. المعرفة، كما قيل هنا، لا معنى لها إن لم تُشارك.
في غانا، كان الوقت قد حسم النقاش مبكرًا. العجز الغذائي دفع البلاد إلى خيار صناعي واضح حول بحيرة فولتا، حيث تتجاور الأقفاص العائمة مع وحدات التحويل ومختبرات البحث. حتى الأزمات الصحية تحولت إلى فرصة لبناء منظومة سلامة تخدم اليوم دولًا أخرى في المنطقة. الرسالة الغانية كانت مباشرة: المستثمر لا يأتي إلا حين يرى نظامًا يحميه.
أما السنغال، فقد اختارت طريقًا يجمع بين التنويع والإنصاف. استزراع بحري في الأفق، محار تقليدي يُعاد تنظيمه، وطحالب تُزرع ليس فقط من أجل السوق، بل من أجل البيئة أيضًا. هناك، بدا الاستزراع المائي كأداة لتحسين دخل المجتمعات المحلية، لا مجرد نشاط صناعي.
على المستوى الإقليمي، ارتفع صوت يدعو إلى النظام قبل النمو. من داخل فضاء UEMOA، كان التأكيد واضحًا: لا سوق بلا قواعد، ولا استثمار بلا وضوح. القوانين الموحدة لم تُقدَّم كقيود، بل كمفاتيح عبور، تفتح أمام المنتجين أسواقًا أوسع من حدود بلدانهم.
ثم جاء صوت المستقبل. إفريقيا تتجه نحو 2,5 مليار نسمة، وستحتاج إلى كميات من السمك لا تستطيع البحار وحدها توفيرها. الأرقام كانت كبيرة، لكن النبرة لم تكن متشائمة. فالإنتاج يتضاعف، والشباب حاضر، والتكنولوجيا متاحة. ما ينقص، كما قيل، هو السرعة والتنسيق.
حتى من خارج القارة، جاءت رسالة تحمل نفس المعنى. التجربة السعودية، المبنية على العلم والتخطيط الدقيق، أثبتت أن الاستزراع المائي يمكن أن ينجح حتى في البيئات الأكثر قسوة، حين تتلاقى الإرادة السياسية مع البحث العلمي ونقل التكنولوجيا.
في نهاية النقاش، لم يُعلَن عن حلول سحرية. لكن شيئًا آخر كان واضحًا في الداخلة: إفريقيا لم تعد تنتظر. الاستزراع المائي خرج من دفاتر الاستراتيجيات، ونزل إلى الماء. والرهان الآن لم يعد على الإمكانات، بل على القدرة على تحويل الرؤية إلى فعل.



