في سوقٍ يعرف منذ أشهر توتراً متزايداً وارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار، اختارت الحكومة المغربية أن تفتح جبهة جديدة في معركة حماية القدرة الشرائية، لكن هذه المرة من بوابة السمك المجمّد. فبدل الاكتفاء بمراقبة تقلبات سوق السمك الطري، تتجه المقاربة الجديدة نحو بناء عرض أكثر استقراراً وانتظاماً، قادر على تزويد المستهلك المغربي بمنتجات بحرية بأسعار أكثر توازناً وعلى مدار السنة. وتشير المعطيات المنشورة حديثاً إلى أن هذا التوجه يقوم على تطوير شبكة وطنية لنقاط بيع السمك المجمّد، في خطوة ترمي إلى إعادة تنظيم قنوات التوزيع والحد من الاختلالات التي تدفع الأسعار إلى الارتفاع.
وليس هذا التوجه مجرد حل ظرفي لمواجهة موجات الغلاء، بل يبدو أقرب إلى محاولة لإعادة رسم العلاقة بين وفرة الثروة السمكية في المغرب وبين قدرة المواطن على الاستفادة منها فعلياً. فالمفارقة التي ظلت تطرح نفسها بإلحاح هي أن بلداً يملك واجهتين بحريتين وثروة سمكية معتبرة، ما يزال فيه السمك في فترات كثيرة بعيداً عن موائد فئات واسعة من الأسر. من هنا، يظهر الرهان على التجميد كآلية عملية لتجاوز تقلبات العرض الموسمي، وتخفيف أثر المضاربات والوسطاء، وإرساء نموذج تسويق أكثر انضباطاً وشفافية.
هذا التحول يعكس أيضاً فهماً متزايداً لكون أزمة الأسعار لا ترتبط فقط بالإنتاج، بل كذلك بمسالك التسويق والتوزيع. فعندما يصبح السمك المجمّد متاحاً عبر نقاط بيع منظمة، وبأسعار مدروسة، فإن السوق لا يربح فقط بديلاً عن السمك الطري، بل يربح أيضاً أداة لتلطيف التذبذب، وامتصاص الضغط، وخلق نوع من التوازن بين العرض والطلب. كما أن المبادرات السابقة في هذا الاتجاه أظهرت أن الإقبال الشعبي موجود، وأن المستهلك لا يرفض السمك المجمّد ما دام يثق في جودته وسلامته وسعره المناسب.
في العمق، تبدو الحكومة وهي تراهن على السمك المجمّد كأنها تعلن انتقالاً من منطق التدبير الظرفي إلى منطق الهيكلة. فالمطلوب اليوم ليس فقط خفض الأسعار ليوم أو أسبوع أو خلال موسم معين، بل بناء منظومة تجعل الولوج إلى المنتجات البحرية أكثر استقراراً وعدالة على المدى الطويل. وإذا نجح هذا الورش، فإنه قد لا يخفف فقط من عبء
الأسعار على الأسر، بل قد يساهم أيضاً في تحديث جزء مهم من الاقتصاد البحري الوطني، وربط الثروة السمكية المغربية بشكل أوضح وأقرب بحاجيات السوق الداخلية.
مصطفى دحمان



