في خطوة تعكس توجهاً متصاعداً نحو تعزيز الشفافية وترسيخ قواعد الحكامة الجيدة، شرع المغرب في توسيع اعتماد أنظمة تدبير مكافحة الفساد داخل المؤسسات العمومية والخاصة، بعدما أطلقت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها مشروعاً جديداً يهدف إلى تعميم هذه الآليات على نطاق وطني شامل. وتندرج هذه المبادرة ضمن مسار إصلاحي يسعى إلى جعل تدبير مخاطر الفساد جزءاً أساسياً من الممارسات الإدارية والاقتصادية وليس مجرد التزام شكلي.
ويأتي هذا الورش بعد تجربة نموذجية قادتها الهيئة بشراكة مع هيئات تنظيم القطاع المالي، حيث تم تطوير دليل أولي لمكافحة الفساد ساهم في توحيد المفاهيم المرتبطة بالنزاهة وتعزيز آليات الوقاية داخل المؤسسات المالية. وقد أفرزت هذه المرحلة نتائج ملموسة، من بينها تكوين مئات الأطر وتنظيم ورشات لتبادل الخبرات، إلى جانب إعداد خرائط لمخاطر الفساد وحصول عدد من المؤسسات على شهادة المطابقة للمعيار الدولي الخاص بأنظمة إدارة مكافحة الرشوة.
وفي إطار المرحلة الجديدة، تعتزم الهيئة إعداد دليل عملي شامل يواكب المعايير الدولية ويقدم أدوات تطبيقية للمؤسسات من أجل تقييم مستوى النزاهة الداخلية ووضع خطط واضحة لتعزيز الأخلاقيات المهنية. ويراهن هذا الدليل على تقديم نماذج عملية وإجراءات تنظيمية تساعد متخذي القرار على إدماج مبادئ الشفافية داخل منظومات التسيير اليومية، مع تحديد دقيق للأدوار والمسؤوليات ووضع مؤشرات لقياس الأداء.
من الناحية الاقتصادية، يعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً لأهمية الحكامة الجيدة في تحسين مناخ الأعمال وجذب الاستثمارات، خاصة في ظل المنافسة الإقليمية على استقطاب رؤوس الأموال. فتعزيز الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات العمومية أصبح عاملاً حاسماً في رفع جاذبية الاقتصاد الوطني وتقليص مخاطر المعاملات. كما أن اعتماد أنظمة تدبير مكافحة الفساد يساهم في تقوية الامتثال التنظيمي للشركات ويحد من التكاليف المرتبطة بالممارسات غير القانونية.
ويتقاطع هذا المشروع مع التزامات المغرب الدولية في مجال محاربة الفساد، بعد مصادقته على عدة اتفاقيات أممية وإقليمية، إضافة إلى تبني المعيار الدولي ISO 37001 كمرجع وطني لأنظمة إدارة مكافحة الرشوة. وتطمح الهيئة من خلال هذه الخطوة إلى خلق ثقافة مؤسساتية جديدة تجعل النزاهة معياراً ثابتاً في التسيير، مدعومة ببرامج تكوين وتدريب تستهدف مختلف الفاعلين المعنيين.
ويرى متتبعون أن تعميم أنظمة إدارة مكافحة الفساد قد يشكل تحولاً نوعياً في بنية الحكامة الاقتصادية بالمغرب، خصوصاً إذا تم ربطها بآليات تقييم دورية وتفعيل حقيقي للمساءلة. فبين متطلبات الإصلاح الإداري وحاجة الاقتصاد إلى بيئة أعمال شفافة، يبدو أن هذا الورش يمثل إحدى الركائز الأساسية لتعزيز ثقة المستثمرين وترسيخ نموذج تنموي قائم على المسؤولية والنجاعة.



