في سياق اقتصادي يتسم بتسارع التحولات الرقمية وتنامي انفتاح المقاولات المغربية على الأسواق الدولية، يواصل مكتب الصرف نهج إصلاحات متدرجة تقوم على إدخال تسهيلات محددة دون الإقدام على تغييرات جذرية في نظام الصرف. هذه المقاربة تعكس رغبة واضحة في مواكبة الدينامية الاقتصادية الجديدة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التوازنات المالية للمملكة.
التحيينات الأخيرة للتعليمات العامة لعمليات الصرف تحمل إشارات قوية نحو التكيف مع حاجيات الفاعلين الاقتصاديين. فقد تم توسيع بعض الإمكانيات المرتبطة بالاستثمار الخارجي، وتبسيط عدد من المساطر لفائدة المقاولات المصدّرة والأنشطة الرقمية، في خطوة تهدف إلى دعم تنافسية الاقتصاد الوطني وتشجيع انخراطه في سلاسل القيمة العالمية. ورغم هذا الانفتاح النسبي، يظل الإطار التنظيمي قائماً على مبدأ المراقبة والتتبع لضمان شفافية تدفقات العملة الصعبة.
بالنسبة للمقاولات، تبدو هذه التعديلات بمثابة إشارة إيجابية تعكس تفهماً أكبر للتحديات التي يفرضها الاقتصاد المعولم. فتبسيط الإجراءات وتوسيع هامش المرونة في بعض العمليات المالية قد يساهمان في تسريع وتيرة الاستثمار وتعزيز حضور الفاعلين المغاربة في الخارج. غير أن هذه الدينامية تبقى محكومة بسقف واضح: عدم المساس باستقرار التوازنات الخارجية أو استنزاف الاحتياطات من العملة الصعبة.
مكتب الصرف، من جهته، يواصل الدفاع عن رؤية تقوم على التحرير التدريجي والمدروس. فبدل القفز نحو تحرير شامل قد يحمل مخاطر في ظل التقلبات الاقتصادية الدولية، يفضل المغرب السير بخطوات محسوبة تسمح باختبار أثر كل إجراء قبل الانتقال إلى المرحلة الموالية. هذه الاستراتيجية تعكس وعياً بضرورة التوفيق بين طموحات الانفتاح الاقتصادي ومتطلبات الحذر المالي.
في المحصلة، تبدو الإصلاحات الجديدة أقرب إلى عملية ضبط دقيقة لإيقاع الانفتاح، حيث تسعى السلطات إلى تحقيق توازن بين دعم الاستثمار وتشجيع الابتكار من جهة، والحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي من جهة أخرى. وبين هذين البعدين، يواصل نظام الصرف المغربي تطوره الهادئ، متقدماً بثبات نحو مزيد من المرونة دون التفريط في مقومات الأمان الاقتصادي.



