في مشهد عمراني يتغير بسرعة، لا يفرض برج محمد السادس حضوره فقط بعلوه الشاهق الذي يبلغ 250 مترا، بل يطرح نفسه أيضا كمشروع متعدد الأبعاد، تتقاطع فيه الهندسة مع الاقتصاد، والتخطيط الحضري مع الطموح الاستثماري، والرمزية المعمارية مع إعادة تشكيل صورة الرباط وسلا في أفق تنموي جديد. فالمشروع، الذي دشنه صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن يوم 13 أبريل 2026، وفتح أبوابه أمام وسائل الإعلام يوم 21 أبريل، لا يمكن اختزاله في كونه أعلى برج في المغرب، لأن ما يخفيه وراء واجهته الزجاجية يتجاوز بكثير منطق الارتفاع والشكل.
فالبرج، الذي أصبح معلما بارزا يمكن رؤيته من نقاط عديدة في الرباط وسلا، يندرج ضمن رؤية أشمل لإعادة هيكلة المجال العمراني على ضفتي أبي رقراق، ويعكس توجها نحو إنتاج بنية تحتية تجمع بين الجاذبية البصرية والوظيفة الاقتصادية. ووفق المعطيات الواردة في النص، فإن هذا الصرح يندرج ضمن مقاربة تستهدف تكريس معايير دولية في الهندسة والتكنولوجيا، مع إبراز اللمسة المغربية من خلال الحرفية التقليدية وإدماج عناصر من التراث المحلي في تفاصيل المشروع.
ولا تقف خصوصية البرج عند مظهره الخارجي، بل تمتد إلى الفلسفة التي ألهمت تصميمه. فالشكل العام للبناية يستحضر صورة صاروخ على منصة إطلاق، وهي فكرة مستلهمة من تجربة عاشها عثمان بنجلون في أواخر ستينيات القرن الماضي خلال حضوره محاكاة لرحلة فضائية لدى وكالة “ناسا”، قبل إطلاق مهمة “أبولو 12”. وبعد أكثر من نصف قرن، تحولت تلك الفكرة إلى واقع عمراني في الرباط، من خلال برج يجمع بين الخطوط الحديثة والمرجعيات البصرية المرتبطة بالهوية المغربية. وقد أنجز المشروع بشراكة بين المجموعة البلجيكية “بيسيكس” والمجموعة المغربية TGCC، فيما أوكل التصميم إلى المعماري الإسباني رافاييل دي لا هوز، بتعاون مع المعماري المغربي حكيم بنجلون.
ومن الناحية التقنية، يكشف البرج عن ورش استثنائي بكل المقاييس. فبعلو يصل إلى 250 مترا و55 طابقا، إضافة إلى مستويات تقنية، يعيد المبنى رسم الأفق العمراني للمنطقة، بينما استلزمت أساساته إنجاز أكثر من مائة دعامة عميقة يصل عمق بعضها إلى 60 مترا، إلى جانب أكثر من 1800 ركيزة، واستعمال نحو 24 ألف متر مكعب من الخرسانة، وهيكل معدني يفوق وزنه 10 آلاف طن. كما يمتد المشروع على مساحة تفوق 30 ألف متر مربع، مع مساحة مبنية إجمالية كبيرة، ويضم واجهات زجاجية واسعة، فضلا عن تجهيزات تعتمد جزئيا على الطاقة الشمسية عبر ألواح فوتوفولطية مثبتة في السطح والواجهة الجنوبية، في مؤشر على إدماج البعد الاستدامي ضمن التصور العام للمشروع.
ويعكس البرج أيضا بعدا اقتصاديا واضحا، سواء من خلال حجمه الاستثماري أو من خلال وظائفه المتنوعة. فالمبنى يضم 38 مصعدا وأكثر من 550 موقفا للسيارات، كما وفر خلال مرحلة الإنجاز مئات مناصب الشغل المباشرة وآلاف فرص العمل غير المباشرة، ما يجعله مشروعا ذا أثر يتجاوز رمزيته المعمارية نحو المساهمة في الدورة الاقتصادية وخلق القيمة. كما أن احتضانه لنحو 7 آلاف عمل فني أنجزها أكثر من 140 فنانا مغربيا ودوليا، يمنحه أيضا بعدا ثقافيا يدمج الفن في الفضاء المعماري ويجعل منه منصة عرض دائمة للإبداع.
وعلى مستوى الاستعمالات، اختير للبرج نموذج وظيفي مختلط، يبتعد عن فكرة البنايات الأحادية الوظيفة. فمن الطابق الأول إلى الثالث عشر، يحتضن المشروع فضاءات مهنية ومكاتب ضمن بيئة عمل راقية، بينما تخصص طوابق أخرى لشقق سكنية تحمل بصمة مصممين وصناع مغاربة. أما في الطوابق العليا، فقد احتضن البرج أول فندق من علامة Waldorf Astoria في إفريقيا، في خطوة تعكس رهان المشروع على استقطاب سياحة الأعمال والفندقة الفاخرة، خاصة أن الفندق يضم عددا محدودا من الغرف، ومرافق للأعمال، وفضاءات استقبال راقية، ومكونات رفاهية ومطعما بإشراف الشيف آلان دوكاس. هذا التنوع الوظيفي يمنح البرج قدرة على الجمع بين الاستثمار العقاري، والتموقع السياحي، والخدمات الراقية، في إطار رؤية تزاوج بين العائد الاقتصادي والقيمة الرمزية.
وفي قمته، لا يكتفي البرج بتقديم إطلالة بانورامية على المدينتين، بل يراهن على تجربة ثقافية وتربوية موازية. ففي الطابق الخمسين، تم تخصيص فضاء تفاعلي يقدم قراءة رقمية وتراثية لمعالم الرباط وسلا، فيما يحتضن الطابق الحادي والخمسون معرضا بعنوان “السماء تتحدث العربية”، يسلط الضوء على المعارف الفلكية في العصر العربي الأندلسي، ضمن مقاربة تجمع بين البعد التربوي وتثمين الإرث العلمي. وهو ما يعزز فكرة أن المشروع لا يقتصر على كونه بناية شاهقة، بل يسعى إلى تقديم سردية متكاملة حول الهوية، والحداثة، والمعرفة، والانفتاح على المستقبل.
وبهذا المعنى، فإن برج محمد السادس لا يمثل مجرد إنجاز عمراني جديد في العاصمة، بل يعكس تصورا متقدما لدور البنية المعمارية في صناعة الصورة الاقتصادية والرمزية للمدن. إنه مشروع يريد أن يقول إن الارتفاع لا يقاس فقط بالأمتار، بل أيضا بقدرة المنشأة على الجمع بين الاستثمار والابتكار والثقافة والهوية في فضاء واحد. ومن هذه الزاوية، يبدو البرج أقرب إلى رسالة حضرية جديدة، تعلن دخول الرباط وسلا مرحلة مختلفة من التموقع العمراني والاستثماري على الصعيدين الوطني والإفريقي.



