يشهد النقاش حول النظام الجبائي في المغرب خلال السنوات الأخيرة تحوّلاً لافتاً، بعدما كشفت الأرقام الرسمية عن ارتفاع غير مسبوق في حجم المداخيل الضريبية، وهو ما أعاد طرح أسئلة جوهرية حول توازن المنظومة بين تحقيق موارد مالية مهمة للدولة والحفاظ على دينامية الاقتصاد الوطني. فالمؤشرات الأخيرة توضح أن الخزينة العمومية باتت تعتمد بشكل متزايد على الضرائب كمصدر أساسي لتمويل السياسات العمومية، في ظل سياق اقتصادي يتسم بتحديات داخلية وتقلبات خارجية.
وتعكس هذه الأرقام، بحسب متابعين، تحسّناً ملحوظاً في آليات التحصيل وتوسيع الوعاء الضريبي، إضافة إلى تأثير الإصلاحات التي باشرتها السلطات خلال السنوات الماضية بهدف تحديث الإدارة الجبائية وتعزيز الامتثال الضريبي. كما ساهم انتعاش بعض القطاعات الاقتصادية في رفع حصيلة الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل، فضلاً عن الأداء القوي للضريبة على القيمة المضافة التي تظل إحدى الركائز الأساسية للموارد المالية.
غير أن هذا التطور الرقمي لا يخلو من نقاشات حادة بين الفاعلين الاقتصاديين، إذ يرى البعض أن ارتفاع المداخيل الضريبية يعكس فعالية الإصلاحات ويمنح الدولة هامشاً أكبر لتمويل مشاريع البنية التحتية والحماية الاجتماعية. في المقابل، يثير آخرون تساؤلات حول مدى انعكاس هذا الأداء على مناخ الاستثمار وقدرة المقاولات الصغيرة والمتوسطة على مواصلة النمو في ظل ضغط تكاليف الإنتاج والضرائب.
وفي خضم هذا الجدل، يبرز توجه رسمي نحو جعل العدالة الجبائية محوراً أساسياً في أي إصلاح مستقبلي، من خلال إعادة توزيع العبء الضريبي بشكل أكثر توازناً وتشجيع الاقتصاد المهيكل. ويؤكد خبراء أن القراءة الموضوعية للأرقام تبقى ضرورية لفهم التحولات الجارية بعيداً عن الانطباعات العامة، خاصة أن النظام الضريبي يشكل أحد أعمدة الاستقرار المالي وأداة رئيسية لتوجيه السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
وهكذا، تكشف “حقيقة الأرقام” عن مرحلة جديدة في مسار المالية العمومية بالمغرب، مرحلة تتطلب مواصلة الإصلاحات مع الحفاظ على توازن دقيق بين تعبئة الموارد وتحفيز الاستثمار، حتى تظل الجباية رافعة للتنمية وليست عبئاً على النمو.



