في سياق اقتصادي يتسم بتزايد تدفقات الاستيراد وتشابك سلاسل التوريد العالمية، اختارت وزارة الصناعة والتجارة أن تتحرك بهدوء ولكن بحزم. لم يكن الإعلان عن طلب إبداء اهتمام لاعتماد هيئات تقييم المطابقة مجرد إجراء إداري عابر، بل خطوة محسوبة ضمن رؤية أوسع لإعادة ترتيب قواعد دخول المنتجات إلى السوق الوطنية.
داخل مكاتب الإدارة، يتشكل تصور جديد لمفهوم الرقابة. فالقانون رقم 24.09 المتعلق بسلامة المنتجات والخدمات لم يعد مجرد نص تنظيمي، بل أداة لإعادة التوازن بين حرية التجارة وضرورة حماية المستهلك. ومع فتح باب الاعتماد أمام هيئات متخصصة، تسعى الوزارة إلى توزيع أدوار المراقبة بشكل أكثر احترافية، بما يضمن فحص المنتجات المستوردة في مختلف مراحل التحقق من مطابقتها للمعايير المعتمدة.
الرهان يتجاوز البعد التقني. فالسوق، في منطق الاقتصاد الحديث، تقوم على الثقة. وكل منتج غير مطابق قد يضعف هذه الثقة ويخلق اختلالاً في المنافسة. المقاولات التي تستثمر في الجودة وتتحمل كلفة الامتثال للمعايير تجد نفسها أحياناً في مواجهة منتجات أقل كلفة، لكنها لا تحترم الشروط نفسها. من هنا، يصبح تشديد الرقابة أداة لإرساء عدالة اقتصادية قبل أن يكون مجرد إجراء وقائي.
وتدرك الوزارة أن حماية المستهلك لا تنفصل عن تحفيز الاستثمار. فكلما كانت القواعد واضحة والرقابة فعالة، ازدادت جاذبية السوق أمام الفاعلين الاقتصاديين الجادين. الاعتماد المرتقب للهيئات المختصة يشكل، في هذا السياق، لبنة جديدة في مسار تحديث منظومة مراقبة السوق، وتعزيز انسجامها مع المعايير الدولية.
ومع تحديد 31 مارس 2026 كآخر أجل لإيداع طلبات الاعتماد، تدخل هذه المبادرة مرحلتها التنفيذية، في انتظار أن تترجم على أرض الواقع إلى سوق أكثر انضباطاً وتنافسية. هكذا، يتحول ملف تقني إلى قصة اقتصادية عنوانها: الجودة كمدخل للثقة، والثقة كركيزة للنمو.



