بقلم يوسف بن عيسى،
لكل مدينة أماكن تُشكّل ملامح ذاكرتها الجماعية، وتصبح مع مرور الزمن رمزًا من رموزها، سواء بالإيجاب أو بالسلب. ومدينة طنجة ليست استثناءً، حيث يُعد “سور المعكازين” واحدًا من أبرز المعالم التي ارتبطت باسم المدينة، وأيضًا من أكثرها إثارة للجدل.
التسمية الظالمة
منذ عقود، ارتبط اسم “سور المعكازين” بصورة نمطية سلبية، إذ يُعتقد أن التسمية تشير إلى شباب المدينة الذين اعتادوا الجلوس على السور، يتكئون ويتسامرون، دون عمل أو نشاط، وكأنهم رمز للخمول والكسل. هذه النظرة ترسّخت خصوصًا بعد الاستقلال، لترسم صورة قاتمة عن أهل طنجة وشبابها.
لكن الحقيقة، التي ظلت غائبة عن الكثيرين، تحمل في طياتها مفاجأة تُغيّر كل شيء.
لقاء في بروكسيل يكشف السر
في عام 2017، بمدينة بروكسيل البلجيكية، وخلال جلسة حوارية ممتعة مع أحد أبناء طنجة الأصليين من أصول يهودية، مقيم في بلجيكا منذ السبعينيات، ويعمل أستاذًا جامعيًا، تطرّق الحديث إلى ذكريات المدينة وأماكنها الرمزية، حتى وصلنا إلى موضوع “سور المعكازين”.
وهنا كانت المفاجأة: فقد أخبرني هذا الرجل الطنجاوي العارف بتاريخ مدينته، أن الاسم الحقيقي للمكان تعرّض لتحريف لغوي عبر السنين، وأنه لا علاقة له بالخمول أو الكسل كما يُشاع.
“صور ماكازين” وليست “سور المعكازين”
في الفترة الدولية لطنجة، كان يوجد غير بعيد عن المكان الحالي، مختبر شهير للصور الفوتوغرافية، يقع في منحدر “فيلاسكيس”، وكان يحمل لافتة مكتوب عليها “Photo Magazine”. وبالعربية، نطقها الناس “صور ماكازين”.
ومع مرور الوقت، وبتأثير اللهجة والتداول الشعبي، تحولت التسمية إلى “سور المعكازين”، ليعتقد الجميع أنها تشير إلى سور يُقصد للراحة والكسل، بينما الحقيقة أن المكان كان نابضًا بالحركة، عامرًا بالمصورين والزبائن، ومساحةً للذاكرة والتوثيق والتلاقي.
لقد كان هذا المكان، حتى ثمانينات القرن الماضي، مركزًا للتصوير الفوتوغرافي، حيث يتوافد عليه الناس من مختلف الأعمار، لتخليد لحظاتهم الجميلة، في أجواء من النشاط والفرح، لا علاقة لها إطلاقًا بالخمول.
سبق نشر القصة سنة 2017
ومن الجدير بالذكر أنني قد كتبتُ عن هذه القصة سنة 2017 عقب هذه المقابلة بالضبط، ونشرتُها حينها على أحد المنابر الإلكترونية، محاولةً لتصحيح المفهوم الخاطئ المنتشر حول “سور المعكازين”، ولكن للأسف لم تلقَ في وقتها التفاعل أو الاهتمام الذي تستحقه. واليوم، بعد مرور ثماني سنوات، أجد من الضروري إعادة نشرها، لعلها تُسهم في إعادة إحياء الذاكرة الحقيقية لهذا الفضاء الطنجي العريق.
دعوة لإعادة الاعتبار
اليوم، وبينما أصبح “سور المعكازين” يُستعمل للإشارة إلى بعض الظواهر السلبية، فإن هذه القصة الحقيقية تدفعنا للتساؤل:
أليس من واجبنا، كأبناء للمدينة، أن نُعيد الاعتبار لهذا الفضاء؟
ألا تستحق طنجة أن تُكرّم ذاكرتها، لا أن تُشوّهها بالتأويلات الخاطئة؟
ربما حان الوقت لتقوم الجهات المسؤولة، والفاعلون الثقافيون، بوضع لوحة تعريفية بالمكان تحكي تاريخه الحقيقي، وتُعرّف الأجيال القادمة بأن سور المعكازين لم يكن يومًا مرادفًا للكسل، بل كان مرآةً للحياة والفن والحركة.



