باشرت المفتشية العامة للمالية بوزارة الاقتصاد والمالية سلسلة افتحاصات معمقة داخل عدد من المؤسسات والمقاولات العمومية بكل من الرباط والدار البيضاء، وذلك بعدما رصدت مصالح المراقبة ارتفاعاً ملحوظاً وغير مبرّر في نفقات المحروقات خلال الأشهر الأخيرة. وتشمل التحقيقات مراجعة شاملة لطرق تدبير “الكازوال” والبنزين، سواء من خلال العقود الموقعة مع موزعي المحروقات أو عبر أنظمة توزيع السندات والبطاقات الممغنطة المستعملة في التزود.
ووفق مصادر مطلعة، فقد وقف المفتشون على اختلالات خطيرة في محاضر الاستهلاك والفوترة، أبرزها تراكم متأخرات مالية كبيرة لفائدة شركات التزويد، ووجود تفاوتات غير مفهومة بين حجم الأسطول وحجم المحروقات المصروفة فعلياً. كما تبين أن عدداً من السيارات المعطلة أو غير المستعملة استمرت في الاستفادة من حصص شهرية من “الكازوال”، ما يعكس ضعفاً في أنظمة التتبع الداخلي واحتمال وجود استغلال غير مشروع لهذه الحصص.
كما كشفت المعطيات الأولية عن شبهات قوية تتعلق بتسريب “بونات” التزود بالوقود إلى أشخاص لا تربطهم أي علاقة بالإدارات العمومية المعنية، واستعمال بطاقات ممغنطة قابلة للتعبئة كوسيلة للتبادل والهدايا بين غير المستحقين، إضافة إلى حالات صرف البونات مقابل مبالغ مالية داخل بعض محطات الوقود. وأظهرت تقارير مراقبي النفقات العمومية أن هذه الثغرات أتاحت إمكانيات كبيرة للتلاعب بقيم السندات والرفع المصطنع من حجم النفقات التشغيلية.
وفي ما يتعلق بالأوراش والمشاريع العمومية، رصد المفتشون تجاوزات في استغلال آليات ضخمة، حيث تم تسجيل صرف كميات من الوقود تفوق ساعات العمل المحددة وتتجاهل فترات التوقف والصيانة، مع وجود مؤشرات على تهريب محروقات موجهة للورش واستعمالها لأغراض شخصية أو بيعها للغير، الأمر الذي أدى إلى تحقيق أرباح غير مشروعة من طرف موظفين ومقاولين متورطين في هذه الممارسات.
وتندرج هذه العمليات ضمن سياسة حكومية شاملة لتعزيز آليات الحكامة وترشيد نفقات المرافق العمومية، في ظل ارتفاع أسعار الوقود التي تجاوزت 11 درهماً للتر الواحد، مما يجعل التحكم في استهلاك المحروقات أولوية لضبط الميزانيات التشغيلية. ومن المنتظر أن تفضي هذه الافتحاصات إلى إجراءات تأديبية وإدارية، وإلى إحالة الملفات التي تحمل شبهة فساد على الجهات المختصة، إضافة إلى توصيات لتحديث أنظمة التتبع والمراقبة قصد الحد من أي انحرافات مستقبلية وضمان الشفافية في تدبير المال العام.



