لم يكن صباح المقاول الصغير في المغرب هادئًا هذه المرة. فمع توقف برامج دعم كانت تشكّل شريان حياة لآلاف المشاريع الناشئة، وجد كثيرون أنفسهم أمام واقع جديد، أكثر قسوة وأقل وضوحًا.
برامج مثل «انطلاقة» و**«فرصة»** لم تكن مجرد آليات تمويل، بل كانت وعدًا ضمنيًا بالثقة، وبأن الدولة تقف إلى جانب من اختار خوض مغامرة الاستثمار الذاتي وخلق فرص الشغل.
في الأزقة الصناعية، وفي الورشات الصغيرة، وعلى مكاتب محاسبين يثقلها القلق، تتكرر الحكاية نفسها: قروض دون مواكبة، التزامات تتراكم، وبنوك تُشدّد شروطها في وقت يحتاج فيه المقاول الصغير إلى هوامش تنفّس لا إلى أبواب موصدة.
يروي أحد أصحاب المقاولات، بصوت لا يخلو من مرارة، كيف انتقل مشروعه من مرحلة النمو البطيء إلى مرحلة الدفاع عن البقاء. فارتفاع التكاليف، من مواد أولية وأجور واقتطاعات اجتماعية، تزامن مع تقلّص فرص التمويل وغياب برامج بديلة واضحة.
هنا، لم يعد الحديث عن التوسع أو الابتكار، بل عن تسديد المستحقات وتأجيل ما يمكن تأجيله.
اللافت أن هذا الوضع يتقاطع مع مفارقة صادمة في السياسات الجبائية؛ إذ يشعر أرباب المقاولات الصغيرة والمتوسطة بأنهم الحلقة الأضعف في معادلة الإصلاح، حيث ارتفعت الأعباء عليهم في وقت استفادت فيه المقاولات الكبرى من تخفيفات وتسهيلات، ما عمّق الإحساس بعدم التوازن.
وفي غياب تفعيل فعلي لولوج المقاولات الصغرى إلى الصفقات العمومية، رغم النصوص القانونية التي تَعِد بنسبة مخصّصة لها، يتحوّل القانون إلى حبر على ورق، وتبقى الفرص حكرًا على الفاعلين الكبار.
هكذا، لا يبدو المشهد مجرد أزمة تمويل عابرة، بل سؤالًا أعمق حول موقع المقاولة الصغيرة في النموذج الاقتصادي. هل هي رافعة حقيقية للتنمية والتشغيل، أم مجرد شعار يُستدعى عند الحاجة؟
اليوم، وبين أوراق الحسابات وضجيج الآلات الصامتة، ينتظر آلاف المقاولين إشارة جديدة: سياسة عمومية تعيد الاعتبار للمبادرة الصغيرة، وتحوّل الدعم من وعود موسمية إلى رؤية مستدامة.
إلى ذلك الحين، تواصل هذه المقاولات السير على حبل مشدود، في اقتصاد لا يرحم من يتعثّر، ولا ينتظر طويلًا من يتأخر.



