في قارة تبحث عن تسريع الاندماج الاقتصادي وتحرير حركة الأشخاص، تأتي أرقام مؤشر انفتاح التأشيرات في إفريقيا لتكشف مفارقة لافتة: فبينما تخطو عدة دول إفريقية خطوات واسعة نحو تسهيل التنقل، ما تزال بلدان المغرب الكبير تُصنَّف ضمن الأكثر تحفظاً، في مشهد يطرح أسئلة اقتصادية عميقة حول كلفة الانغلاق وفرص الانفتاح الضائعة.
التنقل… رافعة نمو معطلة
لم يعد السفر داخل إفريقيا مجرد حركة بشرية، بل صار محركاً مباشراً للتجارة، والسياحة، والاستثمار، ونقل المهارات. فكل تسهيل في إجراءات التأشيرة يختصر كلفة المعاملات، ويُنعش الطلب، ويخلق سلاسل قيمة عابرة للحدود. غير أن واقع التأشيرات الصارم في دول شمال إفريقيا يُبقي هذه الرافعة معطلة، رغم ما تمتلكه المنطقة من بنى تحتية وموقع جغرافي استراتيجي.
المغرب الكبير: قيود تتجاوز الأمن
تُظهر المعطيات أن المغرب والجزائر ومصر وليبيا تعتمد سياسات دخول تتطلب في الغالب تأشيرات مسبقة لمعظم الأفارقة. صحيح أن الاعتبارات الأمنية والتنظيمية حاضرة، غير أن المقاربة الاقتصادية تُحذّر من أثر جانبي مكلف: تباطؤ السياحة الإفريقية، ضعف تدفقات رجال الأعمال، وتراجع فرص التموضع كمنصات إقليمية للخدمات واللوجستيك.
مقارنة تُحرج الشمال
في المقابل، اختارت دول إفريقية أخرى نهج الانفتاح التدريجي عبر الإعفاء من التأشيرة أو اعتماد التأشيرة عند الوصول والتأشيرة الإلكترونية. النتيجة؟ قفزات ملموسة في أعداد الزوار، وتوسّع المبادلات، وتحسن جاذبية الاستثمار. هذه التجارب تُبرز أن الانفتاح المدروس لا يُهدد السيادة، بل يعزز التنافسية.
كلفة الفرصة الضائعة
اقتصادياً، يعني الانغلاق خسارة عوائد سياحية مباشرة، وإضعاف شبكات الأعمال الإفريقية، وتأخير اندماج الأسواق. كما يُفوّت على شركات الطيران والمطارات والفنادق والاقتصاد المحلي فرص نمو كان يمكن أن تتحقق عبر سوق إفريقية داخلية يتجاوز حجمها المليار نسمة.
نحو مقاربة براغماتية
لا يدعو الخبراء إلى فتح غير مشروط، بل إلى تحرير ذكي: توسيع نطاق التأشيرة الإلكترونية، إعفاءات متبادلة مع دول ذات مخاطر منخفضة، ومسارات سريعة لرجال الأعمال والطلبة. خطوات صغيرة، لكنها كفيلة بتحريك عجلة الطلب وبعث رسالة ثقة للأسواق الإفريقية.
الخلاصة:
بين منطق التحفظ ومنطق الاندماج، يقف المغرب الكبير أمام مفترق طرق. فإما الاستمرار في سياسات تُكبّل التنقل وتُثقل كلفة النمو، أو تبني انفتاح محسوب يحوّل القارة إلى سوق داخلية نابضة. وفي اقتصاد اليوم، غالباً ما تكون الجرأة المحسوبة هي أقصر طريق إلى العائد.



