بعد مواسم متتالية أنهكها الجفاف وشح الموارد المائية، يبدو أن قطاع الحوامض بالمغرب بدأ يستعيد شيئاً من عافيته، مدفوعاً بتحسن التساقطات المطرية وارتفاع منسوب مياه السدود. فحسب معطيات أوردها موقع EastFruit، يُتوقع أن يصل إنتاج الماندرين خلال الموسم الحالي إلى حوالي 1.15 مليون طن، بزيادة تقارب 4 في المائة مقارنة بالموسم الماضي، في مؤشر يعكس بداية انفراج تدريجي في وضعية هذا النشاط الفلاحي الاستراتيجي.
وتشير التقديرات ذاتها إلى أن إنتاج البرتقال سيحافظ على مستوى شبه مستقر في حدود 970 ألف طن، بزيادة طفيفة لا تتجاوز 1 في المائة، في حين يُنتظر أن يعرف إنتاج الليمون الحامض نمواً أوضح بنسبة 6 في المائة ليبلغ نحو 48 ألف طن، وذلك وفق تقرير صادر عن USDA. ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، تظل مستويات الإنتاج دون الذروة التاريخية المسجلة خلال موسم 2018–2019، لكنها تبقى أعلى بقليل من متوسط السنوات الخمس الأخيرة.
في هذا السياق، يرى محمد بازة، الخبير الدولي في الموارد المائية، أن هذه الزيادة المتوقعة تندرج في إطار طبيعي، بالنظر إلى الأمطار التي ميزت الموسم الحالي بعد فترة طويلة من الإجهاد المائي. ويوضح، في تصريح لـ تيلكيل عربي، أن معظم المناطق المنتجة للحوامض تعتمد بشكل أساسي على مياه السدود، وأنه كلما تم تأمين حاجيات مياه الشرب وتوفر فائض مائي يغطي أكثر من سنتين، تُمنح الأولوية في الاستغلال للأشجار المثمرة بدل الزراعات السنوية.
ويشير بازة إلى أن أشجار الحوامض، في حال تضررها أو فقدانها بسبب الجفاف، تحتاج إلى سنوات طويلة لاستعادة عافيتها والإنتاج من جديد، ما يجعل الحفاظ عليها خياراً استراتيجياً. لذلك تُعد من بين أكثر الزراعات استفادة من مياه السدود بعد تلبية حاجيات الشرب، خصوصاً في الأحواض المروية الكبرى مثل سبو وملوية وسوس ماسة، إضافة إلى حوض أم الربيع بمنطقة بني ملال ونواحيها.
تعافي الإنتاج، حسب الخبير ذاته، من شأنه أن ينعكس إيجاباً على حجم الصادرات، خاصة أن المغرب راكم تجربة طويلة في تصدير الحوامض، ونجح في الحفاظ على حضوره في الأسواق الدولية حتى خلال سنوات الجفاف الأولى. ولا تزال أسواق الاتحاد الأوروبي وروسيا تمثل الوجهات الرئيسية للحوامض المغربية، غير أن خريطة التصدير بدأت تشهد تحولاً تدريجياً مع تنامي الصادرات نحو بلدان غرب إفريقيا، وعلى رأسها السنغال وموريتانيا وكوت ديفوار، في وقت يواجه فيه المغرب منافسة متزايدة من دول مثل الشيلي خلال فترات التصدير المبكرة.
وعلى مستوى السوق المحلية، يستبعد بازة أن يؤدي ارتفاع إنتاج الماندرين إلى زيادات كبيرة في الأسعار، معتبراً أن وفرة العرض ستساهم في تحقيق توازن نسبي. فجزء مهم من المحصول، خاصة غير القابل للتصدير، يُسوَّق داخلياً، كما أن نسبة معتبرة من المنتوج الجيد تبقى داخل السوق الوطنية بدل توجيهها بالكامل نحو التصدير. ويرجح الخبير أن تكون الأسعار معقولة، وربما أقل مما كانت عليه خلال سنوات الجفاف، بفعل تحسن العرض واستقرار الطلب.
أما بخصوص المساحات المزروعة، فيوضح بازة أن زراعة الحوامض عرفت توسعاً بنحو 48 ألف هكتار في إطار مخطط المغرب الأخضر، غير أن موجات الجفاف الأخيرة أدت إلى تقليص المساحات المغروسة بما يقارب 40 إلى 45 ألف هكتار، ما جعل المساحة الإجمالية المزروعة تعود تقريباً إلى مستويات سنة 2010. ورغم هذه التحديات، يظل القطاع محتفظاً بقدرة تنافسية مهمة، كما تؤكد ذلك الأرقام القياسية التي حققها المغرب في صادرات الحوامض خلال موسم 2021–2022، عندما بلغت الصادرات حوالي 766.5 ألف طن، بزيادة 40 في المائة مقارنة بالموسم السابق.
في المحصلة، يعكس تحسن إنتاج الماندرين وباقي الحوامض ارتباط هذا القطاع الحيوي بشكل وثيق بتدبير الموارد المائية. وبين التفاؤل الحذر واستمرار التحديات المناخية، يظل مستقبل الحوامض بالمغرب رهيناً بقدرة البلاد على ضمان أمنها المائي، بما يحفظ استدامة الإنتاج ويوازن بين متطلبات التصدير وحاجيات السوق المحلية.



