في مدينة الداخلة، حيث يلتقي المحيط بالاستثمار، لم تقتصر فعاليات الدورة الثانية من منتدى Seafood4Africa على النقاشات النظرية حول مستقبل الصيد البحري في إفريقيا. هناك، وعلى هامش اللقاء، وُقّع اتفاق حمل في طياته ملامح تحول جديد في خريطة التصنيع البحري، معلناً عن شراكة مغربية-أمريكية حول تحويل سمك السلمون البري القادم من ألاسكا داخل المغرب.
الاتفاق، الذي جمع بين معهد تسويق المأكولات البحرية بألاسكا والفيدرالية الوطنية لصناعات تحويل وتثمين منتجات الصيد البحري، فتح الباب أمام تعاون تقني يروم إدخال هذا المنتوج عالي الجودة إلى السوق المغربية، ليس كمادة خام عابرة، بل كمنتوج تتم معالجته وتثمينه داخل الوحدات الصناعية الوطنية.
الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في دلالاتها: خلق القيمة داخل المغرب. فالسلمون المستورد من ألاسكا سيخضع لعمليات التحويل والتعليب محلياً، قبل أن يُوجَّه إلى المستهلك المغربي، أو يشق طريقه نحو أسواق إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، مع طموح يتجاوز الجغرافيا ليصل، مستقبلاً، إلى السوق الأمريكية نفسها.
وسط أروقة المنتدى، بدا واضحاً أن هذا المشروع لا ينفصل عن الرؤية الأوسع التي بات المغرب يدافع عنها في مجال الاقتصاد الأزرق. رؤية تقوم على الانتقال من منطق تصدير الثروات البحرية في شكلها الخام، إلى بناء سلاسل إنتاج متكاملة، قادرة على خلق فرص الشغل، وتعزيز السيادة الصناعية، ورفع تنافسية المنتوج البحري المغربي.
الدبلوماسي الأمريكي الحاضر في لحظة التوقيع لم يُخفِ اعتزاز بلاده بمنتوج السلمون البري لألاسكا، مبرزاً ما يحمله من قيم الاستدامة واحترام البيئة، وهي معايير أصبحت اليوم شرطاً أساسياً للاندماج في سلاسل القيمة العالمية. لكنه، في المقابل، شدد على دور المغرب كشريك موثوق وقاعدة صناعية واعدة في المنطقة.
وبينما تستعد الولايات المتحدة للاحتفال بمرور 250 سنة على استقلالها، حمل الاتفاق بعداً رمزياً إضافياً، أعاد التذكير بعمق العلاقات التاريخية التي تربط الرباط بواشنطن. ففي نظر الموقعين، لا يتعلق الأمر بعقد تجاري عابر، بل بخطوة جديدة في مسار شراكة طويلة، تتقاطع فيها الدبلوماسية مع الاقتصاد، والاستدامة مع الاستثمار.
هكذا، ومن أقصى شمال المحيط الهادئ إلى جنوب المغرب، يرسم السلمون البري مساراً جديداً، عنوانه الأبرز: التصنيع المحلي بوابة العبور نحو الأسواق العالمية.



