في صباحٍ هادئ من فبراير، كانت الداخلة تبدو كأنها تُصغي إلى المحيط. أمواج الأطلسي تضرب الشاطئ بإيقاع منتظم، وفي القاعات المطلة على البحر، كان وزراء وخبراء ومستثمرون أفارقة يتبادلون حديثًا واحدًا بصيغ متعددة: ماذا لو توقفت إفريقيا عن بيع بحرها خامًا؟
لم يكن «SeaFood4Africa 2026» مجرد ملتقى مهني. كان لحظة اعتراف جماعي بأن البحر لم يعد هامشًا في السياسات العمومية، بل قلبًا نابضًا لأسئلة الأمن الغذائي، والكرامة الاقتصادية، ومستقبل الأجيال القادمة. في الداخلة، المدينة التي اعتادت أن تكون بوابة الجنوب، تحولت القاعة إلى فضاء تفكير قاري.
المغرب لم يقدّم نفسه كأستاذ، بل كقصة تُروى. قصة بلد اختار منذ سنوات أن ينظر إلى البحر بمنظار آخر: ليس فقط كمورد، بل كسلسلة حياة. من المراكب الصغيرة إلى المصانع، من الصياد التقليدي إلى المستثمر الصناعي، تشكّلت منظومة تحاول أن تُبقي القيمة داخل البلاد، وأن تمنح للبحر زمنًا أطول ليعطي.
في مداخلات المسؤولين، لم تكن الأرقام باردة. كانت تحكي عن مدن تعيش على إيقاع الصيد، وعن عائلات ارتبط مصيرها بالموانئ، وعن سياسات حاولت أن توازن بين الاستغلال والحماية. ومع كل كلمة عن ميناء الداخلة الأطلسي، كان الحاضرون يرون أكثر من بنية تحتية؛ كانوا يرون جسرًا جديدًا بين إفريقيا والعالم.
رئيس جهة الداخلة-وادي الذهب تحدث عن الأرض كما لو كانت كائنًا حيًا. عن جهة لا تريد أن تكون محطة عبور، بل مكانًا تُصنع فيه القيمة. هنا، حيث يتركز جزء كبير من الثروة السمكية، يُراد للاقتصاد الأزرق أن يكون متكاملًا: صيد، تحويل، تربية مائية، ولوجستيك. فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها ثورية في قارة اعتادت تصدير المادة واستيراد القيمة.
الأصوات القادمة من غرب إفريقيا حملت الصدى نفسه. وزير غامبي قالها بلا مواربة: الأسماك لا تعرف الحدود، لكن الفقر يعرفها جيدًا. إما أن نتعاون، أو نستمر في خسارة ما نملك. في كلماته، كان خوف قديم من التهريب والصيد غير القانوني، وأمل جديد في علامة إفريقية تحمل اسمها إلى العالم.
ومن جزر الرأس الأخضر، جاء صوت البحر أوضح. دولة لا تملك سوى الماء تقريبًا، لكنها فهمت مبكرًا أن الهوية يمكن أن تُبنى من الأمواج. الوزير تحدث عن اقتصاد أزرق يشبه الأرخبيل: متفرق في الجغرافيا، لكنه موحّد في الرؤية.
في الزوايا الجانبية للمنتدى، لم تكن النقاشات أقل أهمية. شراكات تُرسم على عجل، تجارب تُحكى بنبرة صادقة، وأسئلة تُطرح بلا ميكروفون: هل ستنجح إفريقيا هذه المرة؟ هل ستحتفظ بثروتها؟ هل سيتغير مصير الصياد الصغير؟
جواب واحد كان حاضرًا دون أن يُقال صراحة: الطريق طويل، لكن الاتجاه تغيّر. و«SeaFood4Africa» لم يكن وعدًا، بل بداية حركة. حركة تريد للبحر أن يُطعم أبناءه أولًا، وأن يمنحهم عملًا قبل أن يمنحهم عملة صعبة.
عند الغروب، كانت الشمس تميل نحو الأطلسي، والمدينة تستعيد هدوءها. لكن شيئًا ما كان قد تحرك. في الداخلة، لم تُناقش الأسماك فقط، بل نوقش مستقبل قارة قررت أخيرًا أن ترى في بحرها أكثر من مجرد موج.



