في أروقة المحاكم، حيث تُحسم القضايا وتُوزن الأدلة، لا يعلو صوت القاضي وحده. هناك صوت آخر، أكثر هدوءاً لكنه بالغ التأثير: صوت الخبير القضائي. ذاك الذي يُستدعى عندما تعجز النصوص القانونية عن فك شيفرة الأرقام، أو تفسير التشققات، أو قراءة التقارير الطبية المعقدة. غير أن هذا الدور الحاسم ظل لسنوات طويلة محكوماً بإطار قانوني شاخ قبل أوانه.
اليوم، وبعد أكثر من عقدين على صدور القانون المنظم للخبرة القضائية، قررت الحكومة فتح هذا الملف المسكوت عنه، في ما يشبه “عملية تجميل تشريعية” تهدف إلى إعادة الاعتبار لمهنة الخبرة، وتصحيح أعطاب ظلت تؤرق العدالة والمتقاضين على حد سواء.
القانون الحالي، الذي وُضع في سياق قضائي مختلف، لم يعد قادراً على مواكبة التحولات العميقة التي عرفها المجتمع، ولا التعقيد المتزايد للنزاعات المعروضة على المحاكم. قضايا عقارية بملايين الدراهم، منازعات تجارية عابرة للحدود، وملفات تقنية تتطلب خبرات دقيقة في مجالات لم تكن مطروحة أصلاً عند صياغة النص القديم.
من هنا، جاء مشروع الإصلاح محمّلاً بأسئلة كبرى: من هو الخبير القضائي؟ كيف يتم اختياره؟ ومن يراقب عمله؟ والأهم: كيف نضمن أن تكون الخبرة أداة لإحقاق الحق، لا سبباً في إطالة أمد التقاضي أو التشكيك في الأحكام؟
الرؤية الجديدة تسعى إلى إعادة تنظيم شروط التسجيل في لوائح الخبراء، وفرض معايير أكثر صرامة تتعلق بالكفاءة والنزاهة، مع تعزيز آليات المراقبة والمسؤولية. فالخبير، وفق الفلسفة الجديدة، لم يعد مجرد تقني يُدلي برأي، بل فاعل أساسي في تحقيق العدالة، يتحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية عن تقاريره.
ولا ينفصل هذا “التجديد الهادئ” عن ورش أوسع لتحديث منظومة العدالة، حيث تتقاطع الرقمنة، وتبسيط المساطر، وتسريع البت في القضايا. إصلاح لا يرفع شعارات كبيرة، لكنه يلامس جوهر الثقة بين المواطن والمحكمة.
في النهاية، قد لا ينتبه المتقاضي العادي لتفاصيل قانون الخبرة القضائية، لكنه يشعر مباشرة بنتائجه: حكم أسرع، تقرير أوضح، وعدالة أقرب إلى الإنصاف. هكذا، من الهامش التقني، يبدأ أحياناً إصلاح القلب النابض للعدالة.



