لم يكن توقيع العقد في الدار البيضاء، صباح العاشر من فبراير 2026، مجرد إجراء إداري عابر، بل لحظة مفصلية حملت معها عبور شركة مرسى المغرب إلى ضفة جديدة من القارة الإفريقية. فمن بوابة ميناء مونروفيا، الميناء الأهم في ليبيريا ونافذتها البحرية الأولى على العالم، وضعت المجموعة المغربية قدمها في غرب إفريقيا، معلنة دخولها الفعلي إلى منظومة التدبير المينائي الليبيرية.
العقد، الذي يجمع مرسى المغرب بالهيئة الوطنية للموانئ الليبيرية، يمنح الشركة إدارة رصيفين داخل الميناء عبر فرعها Marsa Maroc International Logistics، في تجربة تُعد الأولى من نوعها للمشغل المغربي في هذا البلد الساحلي. خطوةٌ تحمل في طياتها أكثر من مجرد إدارة منشآت، بل تعكس توجهاً استراتيجياً يقوم على نقل الخبرة وبناء الشراكات طويلة الأمد.
داخل ميناء مونروفيا، حيث تتقاطع السفن التجارية القادمة من مختلف القارات، ستتولى مرسى المغرب إعادة تأهيل الرصيفين وتجهيزهما بمعدات مناولة حديثة، مع إدخال أساليب تدبير أثبتت نجاعتها في موانئ مغربية وإفريقية أخرى. الرهان واضح: رفع وتيرة الأداء، تقليص زمن انتظار السفن، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للفاعلين الاقتصاديين.
ومن المرتقب أن تنطلق مرحلة التشغيل التدريجي خلال النصف الأول من سنة 2026، في وقت تراهن فيه السلطات الليبيرية على هذا المشروع لتخفيف الاختناقات اللوجستية التي يعاني منها الميناء، ولإعادة رسم دوره كمحور أساسي للتجارة في المنطقة.
ولا يُنظر إلى هذا العقد باعتباره نهاية المسار، بل بداية لشراكة أوسع. فمصادر مطلعة تشير إلى أن عقد التدبير الحالي يمهّد الطريق نحو توقيع عقد امتياز مستقبلي، يهم تطوير واستغلال محطة متعددة الاستعمالات داخل ميناء مونروفيا، بما يعزز قدرته على مواكبة التحولات الاقتصادية والصناعية في البلاد.
أهمية ميناء مونروفيا لا تنبع فقط من موقعه الجغرافي، بل من دوره المحوري في الاقتصاد الليبيري، إذ تمر عبره النسبة الأكبر من الواردات والصادرات. لذلك، فإن أي تطوير في بنيته التحتية ينعكس مباشرة على دينامية التجارة والاستثمار.
في هذا السياق، ترى ليبيريا في الشراكة مع مرسى المغرب فرصة لتعزيز حضورها ضمن الممرات التجارية الإقليمية، خاصة مشروع “ممر الحرية – Liberty Corridor”، الذي يهدف إلى ربط الموارد المنجمية لدول الجوار بالأسواق العالمية عبر الموانئ الليبيرية.
وقد لقي هذا التوجه إشادة على أعلى مستوى في البلاد، حيث عبّر الرئيس الليبيري جوزيف نيومـا بواكاي، خلال خطاب أمام الهيئة التشريعية، عن ترحيبه بالتزام “مشغل مينائي مغربي ذي خبرة عالية” بالمساهمة في تحديث ميناء مونروفيا وتعزيز قدراته اللوجستية.
هكذا، لا تبدو خطوة مرسى المغرب في ليبيريا مجرد توسع جغرافي، بل فصلاً جديداً في قصة حضور مغربي متنامٍ في إفريقيا، حضور يراهن على البحر كجسر للتكامل والتنمية المشتركة.



