عاد ملف الغاز الطبيعي إلى واجهة النقاش في المغرب بعد قرار وضع مشروع محطة الغاز الطبيعي المسال بالناظور في حالة ترقب. القرار لم يكن تقنياً صرفاً، بل أعاد طرح سؤال أعمق: هل يشكل الغاز ركيزة حقيقية في الانتقال الطاقي للمملكة، أم أنه مجرد أداة ظرفية تفرضها المرحلة؟
في إحدى حلقات برنامج «L’Info en Face»، قدّم الخبير في الطاقة Amin Bennouna قراءة هادئة لهذا الجدل، مميزاً منذ البداية بين الغاز الطبيعي وغاز البوتان الذي يستعمله المغاربة في منازلهم. فالحديث هنا يتعلق بمورد طاقي موجَّه أساساً لإنتاج الكهرباء وتزويد بعض الأنشطة الصناعية، وليس بالاستهلاك المنزلي.
حالياً، لا يتجاوز استهلاك المغرب من الغاز الطبيعي مليار متر مكعب سنوياً، تستهلك محطتان كهربائيتان تعملان بالدورة المركبة أغلبه. أما الإنتاج المحلي، فيبقى محدوداً ولا يغطي سوى جزء بسيط من الحاجيات. هذه الأرقام تفسر جانباً من التردد في المضي قدماً في مشروع ضخم صُمم بطاقة تصل إلى خمسة مليارات متر مكعب سنوياً، أي خمسة أضعاف الطلب الحالي تقريباً.
حتى مع احتساب المشاريع المستقبلية، مثل محطة الغاز المرتقبة لدعم استقرار الشبكة الكهربائية في ظل توسع الطاقات المتجددة، فإن الزيادة المتوقعة في الاستهلاك ستظل محدودة. فالمغرب يتجه بقوة نحو الطاقة الشمسية والريحية، والغاز في هذا السياق لا يُنظر إليه كبديل، بل كوسيلة لضمان المرونة وتعويض التقلبات الطبيعية لهذه المصادر النظيفة.
في المقابل، يظل هاجس السيادة الطاقية حاضراً. فالمغرب يستورد حالياً حاجياته من الغاز عبر إسبانيا، في إطار ترتيبات تقنية وتجارية تعتبر أقل كلفة في المدى القريب من إنشاء محطة محلية لإعادة تحويل الغاز المسال. وهنا تتقاطع الحسابات الاقتصادية مع الاعتبارات الاستراتيجية: هل الأولوية لضمان الاستقلالية الكاملة مهما كانت الكلفة، أم لاعتماد حلول مرنة تتماشى مع حجم الطلب الفعلي؟
الواقع أن الانتقال الطاقي لا يقوم على الشعارات، بل على التوازن بين الطموح والجدوى. فالاستثمار في بنية تحتية تفوق الحاجيات قد يثقل كاهل المالية العمومية، بينما الاعتماد المفرط على الخارج قد يطرح تساؤلات حول الأمن الطاقي مستقبلاً.
بين هذين الخيارين، يبدو أن المغرب يسعى إلى مقاربة تدريجية، تجعل من الغاز الطبيعي طاقة مرافِقة للمرحلة الانتقالية، لا محورها الرئيسي. وفي ظل تسارع التحولات المناخية والاقتصادية عالمياً، يبقى التحدي الأكبر هو بناء منظومة طاقية مرنة، متوازنة، وقادرة على التكيف مع المتغيرات، دون الإخلال بحسابات الاستدامة والسيادة معاً.



