في قلب الدار البيضاء، وتحت سقف يجمع بين روح التراث وحداثة التصميم، لم يكن اللقاء مجرد موعد مهني عابر، بل لحظة تأمل في مسار طويل صنعته العائلات المغربية داخل عالم الأعمال. هناك، بدا واضحاً أن الشركات العائلية ليست فقط مؤسسات اقتصادية، بل امتداداً لذاكرة اجتماعية تتناقلها الأجيال كما تتناقل القيم والأسماء.
جلس المشاركون يتحدثون عن واقع يعرفه الجميع، لكن قلّما يُروى بهذه الصراحة: اقتصاد وطني يقوم في جزء كبير منه على مبادرات بدأت داخل بيوت عائلية صغيرة، قبل أن تتحول إلى شركات تخلق فرص الشغل وتساهم في استقرار السوق. ومع ذلك، يبقى هذا الدور أحياناً غير مرئي بما يكفي في الأرقام الرسمية، وكأن قصص النجاح تُحكى همساً أكثر مما تُسجل في التقارير.
مع مرور الزمن، تتغير ملامح هذه الشركات كما تتغير العائلات نفسها. المؤسس الذي كان يقود المشروع بقرار واحد يجد نفسه أمام جيل جديد يحمل أفكاراً مختلفة ورغبة في التوسع أو التغيير. هنا تبدأ مرحلة دقيقة، حيث يصبح الحفاظ على التوازن بين روح العائلة ومتطلبات السوق تحدياً يومياً.
في النقاشات التي دارت خلال اللقاء، كان واضحاً أن أكبر اختبار تواجهه الشركات العائلية لا يتعلق بالاقتصاد وحده، بل بالعلاقات الإنسانية. فحين تتعدد الأصوات داخل العائلة، تصبح القرارات الاستراتيجية مرآة لاختلاف الرؤى الشخصية. البعض يرى في المخاطرة طريقاً للنمو، بينما يفضل آخرون الاستقرار خوفاً على إرث سنوات طويلة من العمل.
ومع اقتراب لحظة انتقال القيادة من جيل إلى آخر، يظهر سؤال الإرث بكل حساسيته. ليس فقط من يملك الحصص، بل من يملك القدرة على قيادة السفينة وسط أمواج متقلبة. لهذا، يدعو الخبراء إلى فتح حوار مبكر داخل العائلة، لأن الصمت قد يحول لحظة الانتقال إلى أزمة يصعب احتواؤها.
في المقابل، بدأت ملامح تحول هادئ تتشكل داخل هذا العالم. الحديث لم يعد يقتصر على العائلة وحدها، بل على إدخال أدوات حديثة للحكامة تمنح الشركات نفساً مؤسساتياً أكثر احترافية. فوجود نظرة خارجية، سواء عبر مديرين مستقلين أو هياكل قانونية مرنة، أصبح وسيلة لتجاوز التوترات الداخلية دون التخلي عن الهوية الأصلية.
ومع نهاية اللقاء، بدا أن الرسالة الأساسية بسيطة وعميقة في آن واحد: الاستمرارية ليست مجرد انتقال تلقائي بين الآباء والأبناء، بل رحلة تحتاج إلى رؤية وشجاعة في اتخاذ القرار. فالشركات العائلية المغربية، وهي تعبر نحو مستقبل أكثر تعقيداً، تكتشف أن قوة الإرث تكمن ليس فقط في الحفاظ على الماضي، بل في القدرة على إعادة ابتكاره كلما تغير الزمن.



