في مياه ضيقة تفصل الخليج عن بحر عُمان، تمر ناقلات نفط عملاقة ببطء، محمّلة بما يغذي مصانع العالم وسياراته ومحطاته الكهربائية. هناك، في مضيق هرمز، لا تتحرك السفن وحدها، بل تتحرك معها أعصاب الأسواق وأسعار الطاقة وحسابات الدول.
كلما ارتفعت حدة التوتر في المنطقة، ترتفع معها أسعار النفط في الشاشات العملاقة لبورصات العالم. خبر عن تهديد، حادث بحري، أو تصعيد عسكري… فيقفز البرميل دولارات إضافية. لكن ما يبدو بعيداً جغرافياً، يقترب سريعاً من تفاصيل الحياة اليومية في المغرب.
من المضيق إلى محطة الوقود
المغرب لا ينتج ما يكفيه من الطاقة، ويعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتغطية حاجياته. لذلك، فإن أي اضطراب في هرمز — حيث يمر نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط — يعني احتمال ارتفاع فاتورة الاستيراد الوطنية.
في الدار البيضاء أو طنجة، قد لا يتابع المواطن أخبار الملاحة في الخليج، لكنه يلاحظ تغير الأرقام في محطات الوقود. ومع كل زيادة، ترتفع تكاليف النقل، ثم أسعار الخضر والمواد الغذائية، ثم كلفة الإنتاج في المصانع. هكذا تنتقل الأزمة من بحر بعيد إلى سوق الحي.
ضغط على الميزانية والقدرة الشرائية
إذا استمرت الأزمة، فإن الدولة تجد نفسها أمام معادلة صعبة:
هل تترك الأسعار تعكس تقلبات السوق الدولية؟ أم تتدخل لحماية القدرة الشرائية؟
في الحالتين، هناك ثمن اقتصادي. ارتفاع الأسعار يغذي التضخم، والتدخل يكلف الميزانية العمومية. وبين هذا وذاك، يتأثر النمو وتزداد الضغوط على المقاولات والأسر.
الغاز أيضاً في دائرة الخطر
ولا يقتصر الأمر على النفط. فجزء مهم من الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً من قطر، يعبر المنطقة نفسها. وأي تعطيل لحركته قد يدفع بأسعاره إلى الارتفاع في الأسواق العالمية، ما يضيف طبقة جديدة من التحدي أمام الدول المستوردة، ومنها المغرب.
درس في الأمن الطاقي
ورغم أن المغرب قطع أشواطاً مهمة في الاستثمار في الطاقات المتجددة، إلا أن الواقع يذكره اليوم بمدى ارتباطه بالأسواق الدولية. فالأمن الطاقي لم يعد مجرد خيار استراتيجي، بل ضرورة اقتصادية لحماية الاستقرار الداخلي من صدمات الخارج.
في النهاية، قد يبقى مضيق هرمز مفتوحاً أو يتجنب العالم الأسوأ. لكن مجرد التلويح بإغلاقه يكفي ليُظهر حقيقة بسيطة: في اقتصاد عالمي مترابط، موجة في مضيق بعيد قد تتحول إلى ارتدادات محسوسة في كل بيت مغربي.



