لم يعد قطار “البراق” مجرد مشروع طموح أطلقه المغرب لدخول عصر السرعة، بل تحوّل تدريجياً إلى قصة نجاح اقتصادية تعيد رسم ملامح تمويل البنية التحتية في البلاد. فبعد سنوات من انطلاقه، بدأ هذا القطار فائق السرعة، الذي يشرف عليه المكتب الوطني للسكك الحديدية، يثبت أنه ليس فقط وسيلة نقل متطورة، بل أيضاً رافعة مالية قادرة على دعم توسع الشبكة السككية.
في خلفية هذا التحول، تبرز أرقام لافتة تكشف حجم القفزة التي حققها المشروع. فقد تضاعفت مداخيل “البراق” تقريباً خلال خمس سنوات، منتقلة من 407 ملايين درهم إلى 780 مليون درهم، وهو نمو يعكس إقبالاً متزايداً من المسافرين وثقة في هذا النمط الجديد من التنقل. هذه الدينامية لم تقتصر على تحسين رقم المعاملات، بل أفرزت فائضاً مالياً يُعاد استثماره في تطوير البنية التحتية، في خطوة تُجسد تحول المشروع من مستهلك للتمويل إلى منتج له.
وبينما كانت التساؤلات تُطرح في بدايات المشروع حول كلفته وجدواه، تأتي المعطيات الحالية لتُغيّر زاوية النظر. فالنموذج الذي تم اعتماده يقوم على مزيج دقيق بين التحكم في التكاليف، عبر الاعتماد على كفاءات وخدمات محلية، وبين سياسة تسعير مرنة تراعي القدرة الشرائية للمواطنين. هذا التوازن ساهم في رفع نسب ملء القطارات، ما انعكس مباشرة على المردودية.
في الوقت نفسه، لم يغفل المشروع البعد الاستراتيجي المرتبط بالتمويل، إذ نجح في استقطاب موارد مالية بشروط ميسرة، مستفيداً من طابعه البيئي كوسيلة نقل منخفضة الانبعاثات. هذا المعطى عزز جاذبيته لدى المؤسسات التمويلية، وفتح الباب أمام نموذج تمويل مستدام يقلل الضغط على الميزانية العامة.
تصريحات وزير النقل واللوجيستيك عبد الصمد قيوح تؤكد هذا المنحى، حيث أشار إلى أن “البراق” أصبح يساهم فعلياً في تمويل مشاريع التوسعة المستقبلية، في انسجام مع رؤية أوسع تهدف إلى ربط المدن الكبرى وتقليص الفوارق المجالية.
لكن الأثر الحقيقي للمشروع يتجاوز الحسابات المالية. فمن طنجة إلى الدار البيضاء، أعاد “البراق” تشكيل العلاقة مع الزمن والمسافة، وخلق دينامية اقتصادية جديدة حول محطاته، وأسهم في تعزيز جاذبية المدن التي يخدمها. كما ساعد على نقل المعرفة والتكنولوجيا، ما يعزز قدرات المغرب في مجال السكك الحديدية الحديثة.
هكذا، يتحول “البراق” من مجرد خط فائق السرعة إلى نموذج تنموي متكامل، يُظهر كيف يمكن لمشاريع البنية التحتية الكبرى أن تموّل نفسها بنفسها، بل وأن تُسهم في تمويل مستقبلها أيضاً. وفي ظل الطموح لتوسيع الشبكة، يبدو أن المغرب لا يراهن فقط على السرعة، بل على ذكاء اقتصادي يجعل من كل رحلة استثماراً في الغد.



