في لحظة دولية تتسارع فيها رهانات الانتقال الطاقي، يجد المغرب نفسه أمام معادلة دقيقة: كيف يمكنه أن يتحول إلى شريك أخضر استراتيجي لأوروبا، بينما لا تزال تبعيته الطاقية للخارج تشكل أحد أبرز مواطن الهشاشة في نموذجه الاقتصادي؟ هذا السؤال عاد إلى الواجهة بقوة مع النقاش المتجدد حول الشراكة الخضراء بين المغرب والاتحاد الأوروبي، في وقت تتزايد فيه الضغوط المرتبطة بأمن الطاقة، وتقلبات الأسواق، والتحولات الجيوسياسية في المنطقة. وقد أبرزت تغطيات حديثة أن هذا الملف عاد بقوة إلى النقاش العمومي والإعلامي في أبريل 2026.
من حيث المبدأ، تبدو الصورة واعدة. فالمغرب راكم خلال السنوات الأخيرة موقعًا متقدمًا في مجال الطاقات المتجددة، ونجح في تقديم نفسه كفاعل إقليمي صاعد في مشاريع الطاقة النظيفة، سواء عبر الطاقة الشمسية أو الريحية أو من خلال الطموح المرتبط بالهيدروجين الأخضر. أما الاتحاد الأوروبي، الباحث عن شركاء مستقرين وقريبين جغرافيًا لإعادة ترتيب أولوياته الطاقية، فينظر إلى المغرب باعتباره شريكًا موثوقًا يمكن البناء عليه في الضفة الجنوبية للمتوسط. وتشير الشروحات المقدمة حول هذا الإطار إلى أن الشراكة الخضراء تقوم على منطق بيئي واقتصادي معًا، ضمن تصور أوسع للانتقال الأخضر والتكامل الإقليمي.
لكن خلف هذا الطموح، تبرز حقيقة أكثر تعقيدًا. فالمغرب، مثل أوروبا نفسها، ليس بلدًا منتجًا للطاقات الأحفورية على نطاق كافٍ، وما يزال يعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتغطية جانب مهم من حاجياته الطاقية. وهنا تكمن المفارقة: فبينما يُقدَّم التعاون الأخضر كمدخل لتعزيز الاستقلال الطاقي وتقوية الصمود الاقتصادي، فإن الواقع يكشف أن مسار الانتقال نفسه لا يلغي فورًا تبعية متراكمة، بل قد يجعل تدبيرها أكثر حساسية في المدى القريب. وقد جرى التأكيد في النقاشات الأخيرة على أن منطلق هذا التعاون هو أصلًا وجود اعتماد كبير على الواردات الطاقية لدى الطرفين.
وفي العمق، لا يتعلق الأمر فقط بالطاقة في معناها التقني، بل أيضًا بموازين القوة الاقتصادية. فالاتحاد الأوروبي يريد تأمين مصادر أقرب وأنظف وأكثر استقرارًا، بينما يسعى المغرب إلى تحويل هذا التقارب إلى مكاسب ملموسة: استثمارات، نقل تكنولوجيا، تمويلات مناخية، وفرص صناعية جديدة قادرة على خلق القيمة والشغل. غير أن الرهان الحقيقي يظل في ضمان ألا يتحول المغرب إلى مجرد منصة لتلبية الحاجيات الأوروبية، بل إلى مستفيد فعلي من إعادة تشكيل السلاسل الطاقية والصناعية الجديدة في المنطقة الأورو-متوسطية. هذا ما تعكسه القراءة المتداولة اليوم حول حصيلة الشراكة الخضراء بعد سنوات من إطلاقها.
هكذا، تبدو الشراكة الخضراء بين المغرب والاتحاد الأوروبي أكبر من مجرد عنوان دبلوماسي أو التزام بيئي. إنها اختبار حقيقي لقدرة المغرب على التقدم في الانتقال الطاقي دون السقوط في تبعية جديدة بصيغ مختلفة. وهي أيضًا اختبار لمدى استعداد أوروبا لبناء علاقة أكثر توازنًا مع جيرانها الجنوبيين، تقوم على المصالح المتبادلة لا على إعادة توزيع الأدوار فقط. وبين الطموح المناخي وهاجس الأمن الطاقي، يواصل المغرب السير في منطقة دقيقة، حيث لا يكفي أن يكون التحول أخضر، بل يجب أن يكون أيضًا سياديًا، منتجًا، وعادلًا في عوائده الاقتصادية.



