في بداية سنة 2026، بعث الاقتصاد المغربي إشارات واضحة على استعادة زخم أقوى، بعدما بلغ معدل النمو 5% خلال الربع الأول على أساس سنوي، مقابل 4,1% في الربع الرابع من 2025. هذا التحسن لم يأت من فراغ، بل ارتبط بعودة قوية للأنشطة الفلاحية، إلى جانب استمرار صمود قطاع الخدمات وارتفاع الطلب الداخلي، رغم الضغوط التي فرضها ارتفاع أسعار الطاقة خلال شهر مارس.
المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط تكشف أن الفلاحة كانت المحرك الأبرز لهذا الأداء، بعدما سجل النشاط الفلاحي توسعًا بنسبة 14,8% في الربع الأول، مستفيدًا من تساقطات مطرية وُصفت بالاستثنائية، فاقت المعدل العادي بنحو 86,6%. هذا المعطى أعاد التوازن إلى بنية النمو، ليميل أكثر نحو جانب العرض، بعد فترة كان فيها الطلب الداخلي هو المحرك شبه الوحيد.
خارج القطاع الفلاحي، واصل الاقتصاد الوطني الحفاظ على وتيرة إيجابية، وإن كانت أقل دينامية، حيث نما النشاط غير الفلاحي بنحو 3,8%. وداخل هذه المنظومة، واصل قطاع الخدمات أداءه الجيد، مسجلًا تحسنًا بنسبة 4,3%، بينما استفادت الصناعات التحويلية من تعافي الصناعات الغذائية ومن تحسن نشاط صناعة معدات النقل. في المقابل، استمرت بعض الأنشطة، مثل الصناعات الاستخراجية والبناء، في التأثر بوتيرة أبطأ.
ومن زاوية الطلب، ظل الاستهلاك الداخلي عنصرًا أساسيًا في دعم النمو، وإن بوتيرة أكثر اعتدالًا من نهاية 2025. فقد ارتفع استهلاك الأسر بنحو 4,6%، مدفوعًا بتحسن المداخيل، خصوصًا في الوسط القروي، وبمواصلة تراجع الضغوط على الأسعار. كما خفّ العبء السلبي للمبادلات الخارجية على النمو، مع ارتفاع الصادرات من السلع والخدمات بنسبة 7,4%، مقابل زيادة أقل حدة في الواردات بلغت 6,9%.
اللافت أيضًا أن هذا التحسن الاقتصادي تزامن مع تراجع طفيف في التضخم الإجمالي، الذي استقر عند ناقص 0,1% خلال الربع الأول من السنة، مدفوعًا بانخفاض أسعار المواد الغذائية بنسبة 1,1%، رغم ارتفاع بعض الأسعار غير الغذائية وعودة الضغط على الطاقة في مارس. هذا التطور منح الأسر بعض الهامش التنفسي، وساهم في دعم الاستهلاك، وهو ما انعكس بدوره على الدورة الاقتصادية العامة.
وعلى المستوى النقدي، تشير المعطيات إلى استمرار ظروف تمويل مواتية نسبيًا، مع نمو القروض الموجهة للاقتصاد بنسبة 8,2%، واستمرار بنك المغرب في تثبيت سعر الفائدة الرئيسي عند 2,25%. كما ارتفعت الكتلة النقدية بنسبة 9,5%، في وقت شهدت فيه السوق المالية بعض التصحيح بعد الارتفاعات القوية المسجلة خلال 2025، إذ سجل مؤشر “مازي” تراجعًا سنويًا بنسبة 3,4% في الربع الأول.
وبالنظر إلى الربع الثاني من 2026، تتوقع المندوبية السامية للتخطيط أن يظل النمو في مستوى مرتفع نسبيًا عند 4,7%، مدعومًا باستمرار آثار الانتعاش الفلاحي وبصلابة الطلب الداخلي. غير أن هذا الأفق يظل مشروطًا بتطورات السياق الدولي، خاصة ما يتعلق بالتوترات الجيوسياسية وأسعار النفط، إذ بُني السيناريو المركزي على فرضية استقرار نسبي لأسواق الطاقة وبقاء سعر برميل برنت بين 85 و100 دولار خلال الربع الثاني قبل أن يتراجع تدريجيًا لاحقًا.
في المحصلة، يبدو أن الاقتصاد المغربي دخل سنة 2026 بإيقاع أكثر قوة وثقة، مستفيدًا من عودة الفلاحة إلى لعب دورها التقليدي كرافعة ظرفية مؤثرة، ومن استمرار صمود الخدمات والطلب الداخلي. لكن هذا الأداء، رغم إيجابيته، يظل محاطًا بعوامل حذر خارجية، أبرزها كلفة الطاقة وتقلبات الظرف الدولي، ما يجعل التحدي الحقيقي في الأشهر المقبلة هو تحويل هذا التحسن الظرفي إلى مسار نمو أكثر استدامة وتوازنًا.



