في سياق تسارع وتيرة الإصلاحات الهيكلية التي يشهدها القطاع الصحي بالمغرب، تراهن الحكومة على تحقيق تقدم ملموس في ورش المجموعات الصحية الترابية، أحد أعمدة مشروع تعميم الحماية الاجتماعية. ويبرز هذا التوجه من خلال هدف طموح يتمثل في بلوغ نسبة تنفيذ تصل إلى 60% قبل نهاية الولاية الحكومية الحالية، في خطوة تعكس إرادة سياسية واضحة لإعادة هيكلة العرض الصحي وتعزيز نجاعته.
هذا الورش الإصلاحي لا يأتي بمعزل عن التحولات الكبرى التي يعرفها النظام الصحي الوطني، بل يندرج ضمن رؤية شمولية تسعى إلى تجاوز الاختلالات التاريخية المرتبطة بتشتت الخدمات وضعف التنسيق بين المؤسسات الصحية. فالمجموعات الصحية الترابية تهدف أساسًا إلى إعادة تنظيم المنظومة على المستوى الجهوي، بما يسمح بتقريب الخدمات من المواطنين وتحسين جودة التكفل.
ومن خلال هذا النموذج الجديد، سيتم تجميع مختلف المؤسسات الصحية – من مستشفيات ومراكز علاج – ضمن شبكات منسقة، تعمل وفق حكامة موحدة، ما من شأنه تقليص الفوارق المجالية وتحسين توزيع الموارد البشرية والتجهيزات الطبية.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن الحكومة تراهن على تسريع وتيرة تنزيل هذا المشروع خلال الفترة المتبقية من ولايتها، عبر اعتماد مقاربة تدريجية توازن بين سرعة التنفيذ وضمان الجودة. ويعكس هدف بلوغ 60% من الإنجاز قبل نهاية الولاية رغبة في تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، بدل الاكتفاء بالإصلاحات النظرية.
اقتصاديًا، يُنظر إلى هذا الورش كرافعة استراتيجية لتحسين كفاءة الإنفاق العمومي في قطاع الصحة، حيث من المتوقع أن يساهم في ترشيد الموارد وتقليص الهدر، مع رفع مردودية الاستثمار الصحي. كما أن تحسين الخدمات الصحية ينعكس بشكل مباشر على الإنتاجية العامة، ما يعزز جاذبية الاقتصاد الوطني.
في المقابل، يظل نجاح هذا المشروع رهينًا بعدة تحديات، من بينها تأهيل الموارد البشرية، وتطوير أنظمة الحكامة، وضمان التنسيق الفعلي بين مختلف المتدخلين. وهي عوامل حاسمة ستحدد مدى قدرة هذه الإصلاحات على إحداث تحول حقيقي في تجربة المواطن مع المنظومة الصحية.
في النهاية، يبدو أن المغرب دخل مرحلة مفصلية في إصلاح قطاع الصحة، حيث لم يعد الأمر يتعلق فقط بإطلاق المشاريع، بل بقدرة هذه المشاريع على تحقيق أثر ملموس. ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، سيكون مؤشر الـ60% اختبارًا حقيقيًا لمدى تقدم هذا الورش الاستراتيجي.



