في مشهد مالي يتسم عادة بالحذر والترقب، بدأت مؤشرات السوق النقدية بالمغرب تبعث إشارات خفيفة على الانفراج. فبعد أسابيع من الضغط المتواصل، سجل عجز السيولة البنكية تراجعًا ملحوظًا ليستقر عند 168,1 مليار درهم خلال الفترة الممتدة من 16 إلى 23 أبريل، وفق معطيات مركز الأبحاث “بي إم سي إي كابيتال غلوبال ريسيرش”.
هذا التطور، وإن بدا تقنيًا في ظاهره، يحمل في عمقه دلالات أوسع على مستوى توازنات النظام البنكي. فالسيولة، التي تُعد شريان الحياة للمؤسسات المالية، تعكس بشكل مباشر درجة الراحة أو التوتر داخل السوق النقدية. وعندما يتراجع العجز، ولو بشكل نسبي، فإن ذلك يُفهم كإشارة إلى تحسن نسبي في تدفق الأموال بين الفاعلين البنكيين.
في هذا السياق، يأتي انخفاض تسبيقات بنك المغرب لمدة 7 أيام إلى 70,61 مليار درهم، كأحد أبرز المؤشرات على هذا التحول. فالبنك المركزي، الذي يلعب دور الموازن الرئيسي للسيولة، يبدو أنه بدأ يخفف تدريجيًا من وتيرة دعمه، في خطوة تعكس ربما ثقة أكبر في قدرة السوق على استعادة توازنها الذاتي.
ولا تقف هذه المؤشرات عند هذا الحد. فقد شهد الحد الأقصى لتوظيفات الخزينة بدوره تراجعًا طفيفًا، ليستقر عند 34,6 مليار درهم، في حين حافظ معدل الفائدة المتوسط المرجح على استقراره عند 2,25%. أما مؤشر “مونيا”، الذي يُعد مرجعًا يوميًا لقياس كلفة السيولة في السوق، فقد انخفض إلى 2,191%، في إشارة إضافية إلى تراجع الضغط على الموارد النقدية.
وراء هذه الأرقام، تتشكل ملامح مرحلة جديدة من التوازن الحذر. فالسوق النقدية، التي عاشت في الأشهر الماضية على وقع تقلبات مرتبطة بالظروف الاقتصادية والتمويلية، تبدو اليوم وكأنها تعيد ترتيب أوراقها، مستفيدة من تدخلات مدروسة للبنك المركزي ومن دينامية داخلية أكثر استقرارًا.
لكن هذا التحسن لا يعني نهاية التحديات. فالسياق العام لا يزال محكومًا بعدة عوامل، من بينها تطور الطلب على السيولة، وتمويل الخزينة، والظروف الاقتصادية الوطنية والدولية. ومع ذلك، فإن الاتجاه الحالي يمنح إشارات إيجابية، خاصة مع توقعات بخفض إضافي في تدخلات البنك المركزي، حيث قد تستقر تسبيقاته في حدود 54,91 مليار درهم خلال الفترة المقبلة.
في النهاية، يمكن القول إن السوق النقدية المغربية تدخل مرحلة “هدوء نسبي”، لا يخلو من الحذر، لكنه يعكس في الآن ذاته قدرة النظام المالي على التكيف. وبين الأرقام والمؤشرات، تظل الرسالة الأهم واضحة: السيولة بدأت تستعيد توازنها… لكن اليقظة تبقى عنوان المرحلة.



