في قلب التحولات الكبرى التي يعرفها سوق الطاقة العالمي، اختار المغرب خلال الأشهر الأولى من سنة 2026 أن يسير بإيقاع مختلف. الأرقام الصادرة حديثاً تكشف أن المملكة خفضت وارداتها من الغاز الطبيعي بشكل لافت، في خطوة تطرح أكثر من سؤال حول مستقبل السياسة الطاقية الوطنية، وحول التوازن الجديد الذي بدأت ملامحه تتشكل داخل مزيج إنتاج الكهرباء بالمغرب.
فخلال الفترة الممتدة من يناير إلى أبريل 2026، تراجعت واردات المغرب من الغاز بنسبة 23 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، لتنخفض من 3.07 تيراواط/ساعة إلى 2.35 تيراواط/ساعة فقط. وبينما تتصدر الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا قائمة أبرز الموردين العالميين للغاز نحو السوق المغربية، فإن الواقع خلال هذه السنة يكشف أن المملكة بدأت تتعامل بحذر أكبر مع هذه المادة الحيوية.
البداية كانت واعدة خلال شهر يناير، حيث سجلت الواردات ارتفاعاً لافتاً بلغ 822 غيغاواط/ساعة، في زيادة تجاوزت 22 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من سنة 2025، وهو ما أعطى انطباعاً أولياً بأن الطلب المغربي على الغاز يسير نحو مزيد من النمو. لكن هذا المنحى لم يدم طويلاً.
مع دخول شهر فبراير، بدأت المؤشرات تتغير. انخفضت الواردات إلى 572 غيغاواط/ساعة، ثم واصل التراجع حضوره في مارس، وسط اضطرابات في الإمدادات وانقطاع دام عدة أيام، قبل أن يصل المشهد إلى ذروته في أبريل، حين سجلت الواردات أكبر انخفاض منذ بداية السنة، بعدما لم تتجاوز 377 غيغاواط/ساعة، أي بتراجع يقارب 49 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
وراء هذه الأرقام، تتقاطع عدة عوامل. تقلبات السوق الدولية، اضطرابات سلاسل الإمداد، تغير الأسعار العالمية، إضافة إلى تحسن إنتاج بعض المصادر البديلة داخل المغرب، كلها عناصر ساهمت في إعادة رسم خريطة الاستهلاك الطاقي للمملكة.
ورغم حضور الغاز في منظومة إنتاج الكهرباء، فإن الفحم ما زال يحتفظ بموقعه كأكبر مصدر للطاقة داخل المغرب، مستحوذاً على أكثر من 61 في المائة من مزيج توليد الكهرباء، بينما لا تتجاوز مساهمة الغاز الطبيعي حوالي 10.9 في المائة، إلى جانب حضور متزايد لكل من طاقة الرياح والطاقة الشمسية.
هذا الواقع يؤكد أن المغرب، وهو يواصل تنفيذ رؤيته الطاقية، لم يعد يعتمد على خيار واحد، بل يتحرك وفق مقاربة أكثر تنوعاً ومرونة، توازن بين الأمن الطاقي، تقلبات الأسواق الدولية، وتسريع الانتقال نحو الطاقات النظيفة.
وفي ظل استمرار المنافسة بين كبار المصدرين العالميين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وروسيا، تبدو سنة 2026 سنة مفصلية قد تعيد رسم علاقة المغرب بالغاز، وربما تعيد تشكيل مستقبل الطاقة بالمملكة بأكمله.



