تواصل السيولة النقدية تسجيل مستويات قياسية في المغرب، رغم التطور المتسارع للخدمات البنكية وانتشار البطاقات ووسائل الأداء الإلكتروني. فقد ارتفعت النقود المتداولة خلال سنة 2025 بنسبة 18.5 في المائة، لتصل إلى نحو 491 مليار درهم، أي ما يعادل 28.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وهو من بين أعلى المعدلات المسجلة دولياً.
وبحسب معطيات لم يعد الإقبال على النقد مجرد ظاهرة ظرفية، بل أصبح مرتبطاً بعدد من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في مقدمتها اتساع حجم الاقتصاد غير المهيكل واستمرار اعتماد قطاعات مثل التجارة والبناء والأشغال العمومية وبعض المهن الحرة على الأداء نقداً.
كما تدفع فترات عدم اليقين الاقتصادي المواطنين والمقاولات إلى الاحتفاظ بالأموال السائلة بدافع الاحتياط والادخار، وهي الظاهرة التي برزت بشكل واضح خلال جائحة كورونا، عندما ارتفعت السيولة المتداولة سنة 2020 بنسبة 20.1 في المائة.
وتشير التقديرات إلى أن الاقتصاد غير المهيكل مثّل في المتوسط نحو 34 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2023، مقابل حوالي 30 في المائة خلال الفترة ما بين 2009 و2019. ويسهم هذا النشاط الاقتصادي غير المصرح به في تعزيز التعاملات النقدية وتقليص إمكانية تتبع المعاملات.
ورغم ارتفاع نسبة البالغين المتوفرين على حساب بنكي إلى 62 في المائة سنة 2025، ووصول عدد البطاقات البنكية إلى 23.5 مليون بطاقة، فإن حوالي 85 في المائة من عمليات استعمال هذه البطاقات لا تزال موجهة إلى سحب الأموال، وليس إلى الأداء المباشر.
ويترتب عن استمرار هيمنة «الكاش» عدد من التكاليف المرتبطة بإنتاج الأوراق والقطع النقدية ونقلها وتأمينها وتوزيعها. كما ترفع المعاملات النقدية من مخاطر السرقة والتزوير، وتوفر بيئة ملائمة للتهرب الضريبي والأنشطة غير القانونية.
وللحد من هذه الظاهرة، يقترح بنك المغرب استراتيجية متكاملة تشمل توسيع الخدمات المالية في المناطق القروية، ورقمنة أداء المساعدات الاجتماعية وتعويضات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والضرائب المحلية، إلى جانب مساعدة التجار على اقتناء أجهزة الأداء الإلكتروني بتكلفة منخفضة.
وتتضمن المقترحات أيضاً خفض رسوم المعاملات الرقمية، وتطوير منصة موحدة للأداء الفوري باستخدام رموز «QR Code»، وتعزيز قابلية التشغيل بين مختلف الأنظمة، فضلاً عن تعميم الفوترة الإلكترونية وتحديث الإطار القانوني المنظم للأداء الرقمي.
وفي أحدث البيانات، بلغت السيولة النقدية المتداولة 543.21 مليار درهم بنهاية ماي 2026، مسجلة ارتفاعاً سنوياً بنسبة 22.4 في المائة، ما يؤكد أن الانتقال نحو مجتمع أقل اعتماداً على النقد سيظل مساراً تدريجياً يتطلب تعزيز الثقة في الأداء الرقمي وتوفير حلول بسيطة ومنخفضة التكلفة..




