يستعد المغرب لدخول مرحلة جديدة من مساره التنموي، تسعى إلى تثبيت المكتسبات الاقتصادية وتحويل نتائج النمو إلى أثر ملموس في حياة المواطنين، خصوصاً داخل المناطق التي ما تزال تعاني من ضعف الخدمات الأساسية ومحدودية فرص الشغل والاستثمار. ويشكل مشروع قانون المالية لسنة 2027 إحدى الأدوات الرئيسية لتنفيذ هذا التوجه، استناداً إلى توجيهات الملك محمد السادس في خطاب العرش الأخير، الذي دعا إلى إطلاق دورة تنموية جديدة تقوم على تحصين المنجزات ومواصلة الإصلاحات والمشاريع الكبرى.
وتكشف المذكرة التوجيهية لإعداد مشروع قانون المالية، الصادرة عن رئيس الحكومة عزيز أخنوش، أن السنة المقبلة ستضع الحكومة أمام معادلة دقيقة تجمع بين الحفاظ على الدينامية الاقتصادية وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. فالمشروع لا يقتصر على تحديد النفقات والمداخيل، بل يحمل رؤية سياسية واقتصادية يفترض أن تجيب عن سؤال أساسي: كيف يمكن أن تصل ثمار النمو إلى مختلف فئات المجتمع وجهات المملكة؟
وحددت المذكرة أربع أولويات كبرى، تبدأ بتوطيد المكتسبات الاقتصادية وتعزيز مكانة المغرب ضمن الدول الصاعدة، ثم الانتقال إلى تأهيل شامل للمجالات الترابية وفق مقاربة مندمجة تستهدف تدارك التفاوتات بين الجهات. كما تركز على مواصلة بناء الدولة الاجتماعية، بالتوازي مع تسريع الإصلاحات الهيكلية الكبرى والحفاظ على توازنات المالية العمومية.
ويحضر البعد الترابي بقوة في توجهات مشروع مالية 2027، في ظل الحاجة إلى تجاوز منطق المشاريع القطاعية المتفرقة والانتقال إلى برامج متكاملة تراعي خصوصيات كل جهة وإقليم. فالتنمية المنشودة لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات أو نسب النمو، وإنما بقدرتها على تحسين ظروف عيش المواطنين وتوفير خدمات صحية وتعليمية جيدة وإحداث فرص شغل محلية.
ويُنتظر أن يشكل هذا التوجه اختباراً حقيقياً لقدرة السياسات العمومية على تقليص المسافة بين مغرب يحقق تقدماً صناعياً وسياحياً واستثمارياً، ومناطق لا تزال تنتظر نصيبها من التنمية. لذلك، تراهن الحكومة على ربط الاستثمار العمومي بالحاجيات الفعلية للسكان، وتعزيز الالتقائية بين البرامج الوزارية والجماعات الترابية.
وفي المجال الاجتماعي، يسعى المشروع إلى تثبيت التحول الذي عرفته المملكة خلال السنوات الأخيرة، مع توسيع منظومة الحماية الاجتماعية ودعم القدرة الشرائية للأسر وتحسين الولوج إلى العلاج والتعليم والخدمات الأساسية. وتشير المذكرة إلى مواصلة تأهيل المؤسسات الصحية والعمل على إحداث مستشفى جامعي في كل جهة، إلى جانب تعزيز حكامة القطاع من خلال الهيئة العليا للصحة والوكالات المتخصصة في الأدوية ومنتجات الصحة والدم ومشتقاته.
أما في قطاع التعليم، فتراهن الحكومة على تعميم التعليم الأولي ومواصلة تطوير تجربة “المدارس الرائدة”، فضلاً عن تعزيز العرض الجامعي والتكوين المهني. ويأتي إحداث كليات الطب والصيدلة ومدن المهن والكفاءات ضمن مسعى لتقريب التكوين من حاجيات سوق الشغل ومواكبة التحولات الرقمية والصناعية التي يعرفها الاقتصاد المغربي.
وتستند هذه التوجهات إلى مؤشرات اقتصادية تعتبرها الحكومة دليلاً على قدرة المغرب على الصمود أمام الأزمات الصحية والمناخية والجيوسياسية. ووفق المعطيات الواردة في المذكرة، سجل الاقتصاد الوطني متوسط نمو بلغ 4,6 في المائة بين سنتي 2021 و2025، بينما تتوقع الحكومة أن تصل نسبة النمو إلى 5,3 في المائة خلال سنة 2026.
كما يعول مشروع قانون المالية على ميثاق الاستثمار الجديد لرفع مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد وإحداث فرص الشغل. وتضع الحكومة الصناعة في قلب هذه الرؤية، مستندة إلى المكانة التي حققها المغرب في قطاع السيارات، حيث اقتربت القدرة الإنتاجية الوطنية من مليون سيارة سنوياً، إلى جانب نمو قطاعات صناعية وتكنولوجية أخرى.
وفي المجال الفلاحي، بلغت القيمة المضافة نحو 111,6 مليار درهم سنة 2025، مع توقع ارتفاعها إلى 130 مليار درهم خلال سنة 2026، بما يعزز الرهان على تحقيق السيادة الغذائية. كما واصل قطاع السياحة أداءه القوي باستقبال قرابة 20 مليون سائح سنة 2025، وهو ما يعكس تنامي جاذبية الوجهة المغربية في الأسواق الدولية.
وتحتفظ البنيات التحتية بمكانة مركزية ضمن أولويات المرحلة المقبلة، إذ يتوفر المغرب على شبكة طرق سيارة يبلغ طولها نحو 1.800 كيلومتر، بالتوازي مع مواصلة إنجاز مشاريع الربط الطرقي واللوجستي، خصوصاً تلك المرتبطة بميناء الناظور غرب المتوسط. وتهدف هذه المشاريع إلى تسهيل حركة الأشخاص والبضائع وربط الجهات بمراكز الإنتاج والأسواق، بما يرفع قدرتها على جذب الاستثمارات.
غير أن الرهان الحقيقي لمشروع قانون المالية 2027 لن يكون في حجم البرامج المعلنة أو الاعتمادات المرصودة فقط، بل في سرعة التنفيذ وقدرة الحكومة على إحداث تغيير يمكن للمواطن أن يلمسه في حياته اليومية. فنجاح هذه المرحلة سيقاس بمدى تحسن المدرسة والمستشفى وفرص الشغل، وبقدرة السياسات العمومية على منح مختلف الجهات حظوظاً متكافئة في التنمية.
وبين الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاستجابة للانتظارات الاجتماعية، تبدو سنة 2027 محطة حاسمة لاختبار قدرة الحكومة على تحويل التوجيهات الملكية والأولويات المعلنة إلى نتائج فعلية، بما يجعل التنمية أكثر عدالة وتوازناً، ويضمن وصول ثمار النمو إلى مختلف فئات المجتمع ومناطق المملكة.




