تستعد الصناعة المغربية لدخول مرحلة جديدة من التحول الطاقي، عبر توسيع استخدام الهيدروجين الأخضر في القطاعات ذات الانبعاثات المرتفعة، وفي مقدمتها صناعة الأسمدة والصلب والإسمنت، مستفيدة من حزمة متنوعة من آليات التمويل الوطنية والإقليمية والدولية.
وكشف تقرير أعدته منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية «اليونيدو»، بشراكة مع صندوق المناخ الأخضر ووزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، عن خريطة التمويلات التي يمكن تعبئتها لدعم استعمال الهيدروجين الأخضر داخل النسيج الصناعي المغربي.
ضمانات وتمويلات وطنية
على المستوى الوطني، يتيح برنامج «Green Invest» التابع لـ«تمويلكم» ضمانات تغطي ما يصل إلى 40 في المائة من تكلفة المشاريع الخضراء، في حدود 10 ملايين درهم لكل مشروع. كما يوفر برنامج «ضمان استثمار» ضمانات قد تبلغ 20 مليون درهم للمشروع الواحد، لفائدة الاستثمارات الصناعية المستدامة.
ويعتمد المغرب كذلك على سوق السندات الخضراء، إلى جانب القروض الموجهة للتحول البيئي التي تقدمها البنوك المحلية بشراكة مع مؤسسات دولية، من بينها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، والبنك الأوروبي للاستثمار، والوكالة الفرنسية للتنمية، وبنك التنمية الألماني.
وتواكب مؤسسات وطنية، مثل الوكالة المغربية للطاقة المستدامة «مازن»، والوكالة المغربية للنجاعة الطاقية، ومعهد البحث في الطاقة الشمسية والطاقات الجديدة، والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، تنفيذ الاستثمارات المرتبطة بالطاقات النظيفة.
دعم أوروبي ودولي
إقليمياً، يشكل «الشراكة الخضراء» الموقعة بين المغرب والاتحاد الأوروبي سنة 2022 إحدى أبرز قنوات الدعم المالي والتقني. وتشمل الآليات المتاحة الصندوق الأوروبي للتنمية المستدامة، وبرامج تقاسم مخاطر الاستثمار، إلى جانب تمويلات المؤسسات الأوروبية متعددة الأطراف.
كما يمكن للمغرب تعبئة موارد من صندوق المناخ الأخضر، وصندوق البيئة العالمي، وصناديق الاستثمار المناخي، فضلاً عن تمويلات البنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية.
ويراهن التقرير أيضاً على التمويل الكربوني بموجب المادة 6 من اتفاق باريس، بعدما أبرم المغرب مذكرات تعاون مع سويسرا والنرويج وسنغافورة وكوريا الجنوبية، بهدف تمويل مشاريع خفض الانبعاثات بناءً على النتائج المحققة.
حاجيات بمليارات الدولارات
وتُقدَّر الحاجيات المالية الأولية لتمكين الصناعة المغربية من اعتماد الهيدروجين الأخضر بحوالي ملياري دولار، أي ما يناهز 20 مليار درهم، في أفق سنة 2030، بينما قد تصل الحاجيات القطاعية الأوسع إلى نحو 6.5 مليارات دولار.
وتتوزع أدوات التمويل المقترحة بين المنح المخصصة لدراسات الجدوى والمشاريع التجريبية، والقروض التفضيلية، والضمانات العمومية، والتمويل المختلط، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، إضافة إلى السندات الخضراء والتمويل المرتبط بأسواق الكربون.
الأسمدة والصلب والإسمنت في الواجهة
يُعد قطاع الأسمدة الأكثر جاهزية لاعتماد الهيدروجين الأخضر، خصوصاً في ظل توجه مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط نحو تأمين كامل حاجياتها من الأمونيا الخضراء خلال الفترة الممتدة بين 2030 و2040.
أما في قطاع الصلب، فيمكن استخدام الهيدروجين في عملية الاختزال المباشر للحديد، بما يسمح بإنتاج فولاذ منخفض الكربون وتعزيز قدرة المنتجات المغربية على دخول السوق الأوروبية.
وفي صناعة الإسمنت، قد يعوض الهيدروجين جزءاً من الفحم والكوك البترولي المستخدمين في الأفران، رغم صعوبة تغطية جميع الحاجيات الحرارية للقطاع بهذه التقنية وحدها.
وتكتسي هذه التحولات أهمية متزايدة مع دخول آلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية حيز التطبيق، بما يجعل إزالة الكربون شرطاً أساسياً للحفاظ على تنافسية صادرات الإسمنت والحديد والأسمدة المغربية.
ويؤكد التقرير أن نجاح هذه المشاريع يظل رهيناً باستكمال الإطار التنظيمي للهيدروجين الأخضر، وتسريع اعتماد التصنيف الأخضر المغربي، وتفعيل الصندوق الوطني للمناخ، إلى جانب توفير عقود شراء طويلة الأمد تمنح المستثمرين رؤية واضحة وتقلص المخاطر المالية.




