كانت طنجة، المدينة التي تفتح نوافذها على البحر وتراقب من مرتفعاتها تمدداً عمرانياً متواصلاً، على موعد مع نقاش يختلف عن الخطابات الانتخابية المعتادة. ففي بيت الصحافة، لم تكن أسماء المرشحين والتحالفات الحزبية هي محور الحديث، بل الماء والغذاء والفلاحة والبحر والطاقة، وكل ما يرتبط بمستقبل الإنسان والمجال.
اجتمع فاعلون بيئيون وخبراء وممثلون عن جمعيات مدنية، أول أمس السبت، وهم يحملون سؤالاً واضحاً إلى الأحزاب المشاركة في الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر الجاري: أين توجد البيئة داخل برامجكم، وكيف ستتحول وعودكم إلى إجراءات يمكن تنفيذها وقياس نتائجها؟
اللقاء الجهوي، الذي نظمه الائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة بتعاون مع جمعية مدرسي علوم الحياة والأرض بالمغرب، لم يكن مناسبة لتكرار التحذيرات المعروفة بشأن التغيرات المناخية، بقدر ما شكّل محاولة لنقل البيئة من هامش النقاش السياسي إلى قلبه.
فبالنسبة إلى المشاركين، لم يعد كافياً أن تتحدث الأحزاب عن حماية الطبيعة أو تحقيق التنمية المستدامة بلغة عامة. المطلوب، كما أكدوا، هو تقديم التزامات محددة، مرتبطة بآجال واضحة وميزانيات معلنة ومؤشرات تسمح بتتبع التنفيذ ومحاسبة المسؤولين.
وخلف واجهات المدينة ومشاريعها المتسارعة، تبرز تحديات لا يمكن للخطاب الانتخابي تجاهلها. فالماء أصبح قضية ترتبط مباشرة بالأمن والاستقرار، ومستقبل الفلاحة يتأثر باضطراب المناخ، فيما تواجه الثروة البحرية ضغوطاً متزايدة، بالتزامن مع الحاجة إلى تسريع الانتقال الطاقي وحماية المجالات الطبيعية.
هكذا تحولت البيئة، خلال النقاش، من قضية تقنية يتداولها المتخصصون إلى ملف اجتماعي واقتصادي يمس الحياة اليومية للمواطن. فنقص المياه ينعكس على الفلاحة وأسعار الغذاء، وتدهور الساحل يؤثر في الصيد والسياحة، وضعف المساحات الخضراء يمس جودة العيش داخل المدن، بينما تتحمل المناطق الهشة نصيباً أكبر من تداعيات التغيرات المناخية.
عزيز الجناتي، المنسق الوطني للائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة، أعاد التذكير بالدور الذي يمكن أن يؤديه المجتمع المدني في مراقبة السياسات العمومية وتعبئة الرأي العام حول القضايا التي ستحدد مستقبل الأجيال المقبلة. ودعا إلى الاستفادة من الخبرات والكفاءات الموجودة على المستوى الترابي، وتحويلها إلى مشاريع تنموية تستجيب للخصوصيات المحلية.
ومن جهته، وضع عبد الرحيم كسيري، نائب رئيس جمعية مدرسي علوم الحياة والأرض بالمغرب، النقاش في سياقه الدولي. فالعالم، بحسب تصوره، يتجه نحو تعزيز السيادة الوطنية في مجالات الصحة والماء والغذاء، وهو ما يفرض على الأحزاب المغربية مراجعة اختياراتها وإعداد تشريعات وبرامج حكومية جديدة، لا تكتفي بإعلان النوايا، بل تحدد زمن الإنجاز وتكلفته.
واستحضر كسيري ما يتوفر عليه المغرب من إمكانات في الطاقات المتجددة والفلاحة والاقتصاد الأزرق، معتبراً أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه المؤهلات إلى سياسات توفر فرص الشغل، وتحمي الموارد الطبيعية، وتحقق التوازن بين الاستثمار وحقوق الأجيال المقبلة.
أما آسية بوزكري، عضو المكتب الوطني للائتلاف، فرأت في اللقاء فرصة لفحص المكانة التي منحتها الأحزاب للتنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر والاقتصاد الأزرق داخل برامجها. وأكدت أن المجتمع المدني لا يريد الاكتفاء بدور المتفرج أو بتنظيم حملات التحسيس، بل يسعى إلى المشاركة في صناعة القرار من خلال الترافع وتقديم المقترحات ومراقبة التنفيذ.
انتهى اللقاء، لكن الأسئلة التي طُرحت داخله غادرت قاعة بيت الصحافة لتلتحق بالنقاش الانتخابي العام. فبين بحر طنجة واتساع عمرانها، تبدو القضايا البيئية أقرب إلى المواطن من أي وقت مضى.
والاختبار الذي ينتظر الأحزاب اليوم ليس في عدد المرات التي ستتكرر فيها كلمة «الاستدامة» داخل برامجها، بل في قدرتها على تقديم أجوبة عملية: كيف ستحمي الماء؟ وماذا ستفعل للفلاحة والبحر؟ وكيف ستموّل الانتقال الطاقي؟ ومتى ستظهر النتائج؟
إنها أسئلة ستظل مطروحة بعد إسدال الستار على الحملة الانتخابية؛ لأن الانتخابات تنتهي في يوم واحد، أما آثار القرارات البيئية فتمتد لأجيال.




