اعتمدت الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية «نارسا» خلال هذه السنة مقاربة تحسيسية أكثر شمولاً، لم تقتصر على توعية المواطنين بمخاطر الطريق، بل امتدت إلى مختلف العوامل المرتبطة بالسلامة الطرقية، وفي مقدمتها الحالة التقنية للمركبات وسلامة تجهيزاتها.
وانطلقت هذه المقاربة من فكرة أساسية مفادها أن الوقاية من حوادث السير لا ترتبط فقط باحترام قانون السير أو تجنب السرعة المفرطة، وإنما تبدأ أيضاً من التأكد من جاهزية المركبة وقدرتها على السير في ظروف آمنة. فحتى السائق الذي يحترم السرعة القانونية يمكن أن يتعرض للخطر إذا كانت عجلات سيارته متآكلة، أو كانت الفرامل لا تعمل بالكفاءة المطلوبة، أو كانت الإنارة وباقي التجهيزات غير سليمة.
ومن هذا المنطلق، وسعت «نارسا» دائرة رسائلها التحسيسية لتشمل السائق والراكب والراجل، إلى جانب العناية بالمركبة باعتبارها عنصراً أساسياً في منظومة السلامة الطرقية. ولم تعد رسالتها مقتصرة على مطالبة السائق بالحذر، بل أصبحت تدعوه إلى فحص مختلف مكونات السيارة، خصوصاً العجلات والفرامل والإنارة والزجاج والمرايا، مع مراقبة السوائل والتجهيزات التي يمكن أن تؤثر في قدرته على التحكم في مركبته.
وحظيت العجلات باهتمام خاص، باعتبارها نقطة الاتصال المباشر بين السيارة والطريق، إذ قد يؤدي تآكلها أو عدم ضبط ضغط الهواء داخلها إلى فقدان السيطرة على المركبة، خصوصاً عند السرعة أو خلال التساقطات المطرية والمنعرجات. وينطبق الأمر نفسه على الفرامل والإنارة، لأن أي خلل تقني بسيط قد يتحول في لحظة إلى سبب مباشر في وقوع حادثة سير، خاصة عندما يتزامن مع التعب أو ضعف الرؤية أو عدم الانتباه.
وتكمن أهمية مقاربة «نارسا» في كونها تعاملت مع السلامة الطرقية باعتبارها منظومة مترابطة لا تقتصر مسؤوليتها على طرف واحد. فالسلامة تبدأ من وعي السائق، لكنها ترتبط كذلك بحالة المركبة وجودة الطريق واحترام التشوير واستعمال حزام السلامة والخوذة الواقية، إلى جانب تجنب الهاتف أثناء القيادة وعدم السياقة في حالة التعب أو تحت تأثير أي مادة تقلل من التركيز.
وقد منح هذا التنوع في الرسائل حملات الوكالة بعداً عملياً، لأنها لم تكتفِ بتوجيه نصائح عامة حول الحذر، بل سلطت الضوء على تفاصيل يومية قد يغفل عنها عدد من السائقين، رغم دورها الحاسم في الوقاية من الحوادث وحماية مستعملي الطريق.
أما النتائج المقصودة، فهي ترتبط بحصيلة التعبئة والتحسيس التي قامت بها «نارسا»، وليس بأرقام نهائية حول انخفاض حوادث السير. فقد تميزت حملة هذه السنة باتساع دائرة المواضيع التي تناولتها، وتعدد الفئات المستهدفة، والجمع بين الجوانب السلوكية والتقنية، مما منح جهود التوعية حضوراً أقوى ووصولاً أفضل إلى المواطنين مقارنة بالسنوات الماضية.
كما تؤكد هذه المقاربة أن صيانة المركبة ليست مجرد نفقة إضافية أو مسألة تقنية تخص مالكها وحده، بل هي استثمار مباشر في حماية الأرواح. فإهمال العجلات أو الفرامل أو الإنارة قد يعرض السائق والركاب والراجلين وباقي مستعملي الطريق للخطر، ولذلك تمثل الصيانة الدورية جزءاً أساسياً من الوقاية، إلى جانب احترام السرعة والتشوير وقواعد الأسبقية.
ولا يقاس نجاح التعبئة بعدد الحملات والرسائل المنشورة فقط، بل بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في السلوك اليومي للمواطن. فعندما يصبح فحص المركبة وربط حزام السلامة واحترام السرعة وتجنب الهاتف أثناء السياقة عادات ثابتة، تتحول السلامة الطرقية من حملة ظرفية إلى ثقافة مجتمعية مستدامة.
وتعكس تعبئة «نارسا» خلال هذه السنة توجهاً أكثر شمولاً وذكاءً، يجعل المواطن شريكاً أساسياً في الوقاية، ويؤكد أن الحد من مخاطر الطريق لا يتحقق برسالة واحدة، بل بعمل متواصل يجمع بين الوعي والسلوك المسؤول والصيانة والمراقبة واحترام القانون



