يشهد نظام الإكراه البدني في المغرب مستجدات قانونية وإجرائية جديدة من شأنها أن تؤثر على وضعية عدد من الأشخاص الذين يواجهون إجراءات مرتبطة بالديون والالتزامات المالية. وتندرج هذه التغييرات في إطار توجه يرمي إلى تحقيق التوازن بين حق الدائن في استرجاع مستحقاته، وضرورة حماية الحرية الفردية وضمان احترام الحقوق الأساسية للمدينين.
ويُعد الإكراه البدني من الآليات القانونية التي تثير نقاشاً واسعاً في الأوساط الحقوقية والقانونية، باعتباره إجراءً قد يؤدي إلى تقييد حرية الشخص بسبب عدم تنفيذ التزام مالي، وهو ما يجعل تنظيمه وضبط شروط تطبيقه مسألة بالغة الأهمية.
عتبة مالية جديدة وضوابط أكثر صرامة
من أبرز المستجدات المرتبطة بالقواعد الجديدة اعتماد حد أدنى للدين يبلغ 8 آلاف درهم، بما يحد من اللجوء إلى الإكراه البدني في الملفات التي لا تتجاوز هذا السقف، وفق المعطيات المتعلقة بالإجراءات المعلن عنها.
كما تشمل المستجدات مراجعة الفئات العمرية المعنية بهذا الإجراء، من خلال استبعاد الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن عشرين سنة، والذين يبلغون ستين سنة فما فوق، وذلك في إطار مراعاة الاعتبارات الإنسانية والاجتماعية.
نحو وضع حد للتضييق على حرية التنقل
ومن بين النقاط التي تحظى بأهمية خاصة مسألة ارتباط بعض إجراءات الإكراه البدني بمنع الأشخاص المعنيين من التنقل، خصوصاً عند المعابر الحدودية.
وفي هذا السياق، يتجه الإصلاح الجديد إلى معالجة الإشكالات المرتبطة بإشعارات البحث ومنع السفر الناتجة عن هذه الإجراءات، بما يساهم في الحد من العراقيل التي كانت تواجه بعض المواطنين أثناء مغادرة التراب الوطني أو العودة إليه.
تسوية الملفات العالقة وإلغاء عدد من إشعارات البحث
كما تتضمن الإجراءات الجديدة معالجة عدد من الملفات السابقة، من خلال مراجعة وضعية الأشخاص المعنيين بإشعارات البحث والإجراءات المرتبطة بالإكراه البدني.
وتشير المعطيات المعلنة إلى إلغاء 22.315 إشعار بحث، فضلاً عن استفادة 3.991 شخصاً من إجراءات مرتبطة بإنهاء وضعيتهم في هذا الإطار.
وتعكس هذه الأرقام أهمية معالجة الملفات المتراكمة، وتفادي استمرار آثار الإجراءات القديمة على الوضع القانوني والاجتماعي للأشخاص المعنيين.
هل يعني ذلك إسقاط الديون؟
من الضروري التمييز بين إنهاء أو تقييد الإكراه البدني وبين إسقاط الدين نفسه. فعدم إمكانية تطبيق هذا الإجراء لا يعني بالضرورة إعفاء المدين من الالتزام المالي، إذ يظل من حق الدائن اللجوء إلى الوسائل القانونية الأخرى المتاحة لتحصيل مستحقاته.
وبالتالي، فإن المستجدات تتعلق أساساً بشروط اللجوء إلى تقييد الحرية بسبب الديون، ولا ينبغي تفسيرها باعتبارها إلغاءً للالتزامات المالية أو إنهاءً لجميع إجراءات التحصيل.
إصلاح يضع الكرامة الإنسانية في صلب العدالة
إن مراجعة قواعد الإكراه البدني تمثل خطوة مهمة في اتجاه تحديث المنظومة القانونية وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة وحماية الحقوق والحريات.
فاسترجاع الديون يظل حقاً مشروعاً للدائن، غير أن ممارسته ينبغي أن تتم في إطار من التناسب واحترام القانون، دون أن يتحول العجز عن الوفاء بالتزام مالي إلى سبب آلي للمساس بحرية الإنسان وكرامته.
وفي المحصلة، تفتح هذه المستجدات الباب أمام مرحلة جديدة في التعامل مع ملفات الديون بالمغرب، قوامها التوفيق بين حقوق الدائنين، والضمانات القانونية للمدينين، وترسيخ مبدأ أن الحرية الفردية تظل قيمة أساسية لا يجوز المساس بها إلا وفق شروط وضوابط يحددها القانون.



